سودان تمورو
” الدولة تنظر لنا كمصدر للجبايات والضرائب بسبب عدم وجود ايرادات . لكن لن نستطيع الاستمرار بهذه الطريقة ولن نتمكن من الصمود اكثر من ذلك.ونحن أصلا مرهقين بعدم استقرار سعر الصرف الي يتصاعد على مدار الساعة دون كابح ولا لجام . والان تكلفة المحروقات في ظل عدم وجود كهرباء رفعت من تكلفة الانتاج بطريقة غير مسبوقة … القطاع الخاص لن يرجع البلاد والفدائيين الزينا حيقفلوا ويضطروا للخروج من السودان .
اكيد لازم ندفع ضرائب لكن الان نحن مكبلين بعدد كبير جدا من الرسوم والجبايات الولائية ، زكاة الزروع مثلا اصبحت تساوي اكثر من ثمن المحصول نفسه ، هذا بخلاف رسوم تفرضها المحليات باسماء عديدة دون قانون ، المهم انه الحكومة تلقط قروش “
هذا حديث احد كبار رجال الاعمال الوطنيين الذين رفضوا الهروب من البلد او نقل استثماراتهم الكبيرة إلى دول اخرى رغم ما وجدوه من إغراءات وصلت اتصالات من رئيس دولة بمنحه امتيازات وإعفاءات ليستثمر في تلك الدولة .
قلت لمحدثي انت ترسم صورة قاتمة لبيئة الأعمال بعد الحرب فيما صرح رئيس الوزراء قبل يومين بالتوجيه باعفاء التجار في الأسواق حتى من دفع الزكاة الشرعية.. قال لي ان هذه التوجيهات لا تجد طريقها للتنفيذ لان موظفي المحليات او حتى ادارات الرسوم في الوزارات لا تتعامل مع توجيه مرسل عبر الاعلام بل تتعامل مع قوانين ولوائح ، ومالم تتنزل هذه التوجيهات لقانون او قرار مكتوب وملزم لا يمكن ان يتم فعل على الارض .
الحكومة أعلنت ان العام الحالي ٢٠٢٦ هو عام السلام والتنمية ، وذلك بالتركيز على تنفيذ مشروعات تنموية تهدف إلى إعادة الاستقرار الاقتصادي وتحفيز قطاع الأعمال . لكن بالنظر للواقع المعاش فان الحكومة تعمل بعكس ما تقول وان تصريحات كبار المسئولين لا تعدو ان تكون سواء مسكنات بعيدة عن العلاج .
بعد تحرير الخرطوم والجزيرة وسنار وهي اكثر الولايات التي تستقطب راس المال الوطني في الصناعة والزراعة والخدمات لم تهتم الحكومة وهي تتحدث عن اعادة الاستقرار بتحفيز قطاع الأعمال الوطني. بل اتخذته موردا للإيرادات عبر الجبايات بعض نضوب موارد الصادر والإنتاج .
قطاع الأعمال السوداني يحاول النهوض بعد انهيار كامل بسبب تدمير ونهب المصانع والشركات وتدمير كل مشروعات الانتاج الزراعي والحيواني بواسطة جنجويد مليشيا ال دقلو لكنه يواجه جنجويد الحكومة بفرض الرسوم والجبايات مما يجعل مواصلة العمل واعادة تدوير الانتاج امراً في غايةً الصعوبة.
فئة قليلة جدا من رجال الاعمال وهم سماسرة وتجار أزمات يتاجرون في العملات واستيراد السلع منهم من ليس لديه حتى ملف ضريبي ناهيك من مشروعات زراعية او صناعية تقوم بتشغيل العشرات من العمال والموظفين ، ظلوا اصحاب حظوة مقربون من قيادات الدولة يلتقون ويتسامرون ويقتسمون الاموال والتسهيلات والعمولات . اما اصحاب رؤوس الاموال الحقيقيون الذين يسهمون في الاقتصاد وفي المجتمع بإنتاج السلع وتوفيرها للمستهلك ويقللون من نسب البطالة فهؤلاء مبعدون من القرار الاقتصادي ومكبلون بالرسوم والجبايات.
هل سمعتم يوما ان وزير المالية او رئيس الوزراء او رئيس مجلس السيادة دعا يوما قطاع الأعمال السوداني لاجتماع لمناقشة قضايا البلاد الاقتصادية . او تم تكليفه بوضع رؤية لما بعد الحرب ؟ او حتى لمناقشة مشاكلهم وكيفية النهوض بتطوير الاعمال . او كيف يستعيدون نشاطهم بعد ما حدث لهم من تدمير ممنهج .
اعادة ثقة قطاع الأعمال السوداني تتطلب حزمة من الاجراءات تبدا من توفير الامن للمنشآت والمسارات التجارة ونقل البضائع بين الولايات وعدم الاكتفاء بمجرد توجيهات بإلغاء رسوم العبور التي لا يتم الالتزام بها من قبل المحليات .
كذلك التفكير المشترك في ايجاد فرص تمويل لاعادة المصانع والمشروعات خارج الصندوق لان التمويل التقليدي عبر البنوك لم يعد متاحا مع ما حدث من انهيار للبنوك .
اهم قرارات يجب ان تتخذها الحكومة إذا كانت جادة في اعادة الاستقرار الاقتصادي هي قفل بلف الجبايات الغير قانونية . وتقديم إعفاءات ضريبية حتى لو كانت مؤقتة لحين استعادة قطاعات الانتاج عافيتها . وتوفير الطاقة الكهربائية او تسهيلات كبيرة في الحصول على الطاقة البديلة وهذه من ميزاتها انها لا تخفف من الضغط على الطاقة الكهربائية فقط وانما تخفض من تكلفة الانتاج مما ينعكس على أسعار السلع للمواطن .
إذا لم تصدر الحكومة قرارات نافذة لصالح الاستثمار الوطني واكتفت بدور المتفرج الذي يصدر توجيهات لحظية فلن يحدث استقرار اقتصادي ولن نجد صاحب مشروع حريص على اعادة دورة الانتاج
