سودان تمورو
في خضم التحولات الجيوسياسية العاصفة التي تضرب منطقة الشرق الأوسط، تطفو على السطح مجدداً سياسة حافة الهاوية التي تتقنها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، متخذة من “ترامب فوبيا” سلاحاً للابتزاز السياسي. فما يطرحه بعض المحللين في الداخل الإيراني، عبر منصات إعلامية، من دعوات مبطنة لتقديم تنازلات لأميركا لتجنب “جنون” ساكن البيت الأبيض، ليس في حقيقته سوى سقوط مدوٍ في فخ استراتيجي نصبته النخبة الأمريكية الحاكمة بعناية فائقة. فهذه النخبة، حين دفعت بشخصية كدونالد ترامب إلى سدة الحكم، كانت تدرك تماماً كيف توظف صورته كـ “رجل مجنون” ومتقلب المزاج، لتحقيق ما عجزت عن تمريره عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية والسياسات الناعمة.
إن ترويج فكرة “إرضاء الوحش الجريح” أو تقديم هدايا مجانية لتجنب غضبه، يمثل استنساخاً لسيناريوهات سابقة حاولت من خلالها بعض التيارات السياسية إشاعة الخوف من شبح الحرب، لدفع صناع القرار نحو التنازل. غير أن المعطيات الميدانية والانتصارات الاستراتيجية الأخيرة في الحروب الإقليمية المعقدة، أثبتت أن سياسة الترهيب الأمريكية فقدت بريقها وفعاليتها. فالولايات المتحدة التي خرجت مثخنة بالخسائر من صراعات المنطقة، تحاول اليوم تعويض تراجعها باستغلال ورقة “التهور الترامبي” لفرض نسخ معدلة ومجحفة من اتفاقيات سابقة، متناسية أن الإدارة ذاتها هي من مزقت الاتفاق النووي الأول حين رأت أن التنازلات المقدمة لا ترقى لجشعها الإستراتيجي.
الواقع أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على تصدير ترامب للعالم باعتباره قوة عمياء لا يمكن التنبؤ بمساراتها، أملاً في حصد مكاسب جيوسياسية وامتيازات مجانية من خصومها دون إطلاق رصاصة واحدة. إنها لعبة نفسية بامتياز، تعتمد على كسر إرادة الخصم وتخويفه من المجهول. لكن الخلل البنيوي في هذه المعادلة يكمن في قراءة واشنطن الخاطئة لطبيعة الخصم المعاند؛ فخيارات القوة لا تقتصر على طرف دون آخر، وأوراق الضغط الاستراتيجية، كمضيق هرمز الذي يمثل قنبلة جيوسياسية موقوتة، قادرة على إعادة رسم قواعد الاشتباك وتأسيس نظام إقليمي جديد لا يخضع للإملاءات.
وهنا يبرز التساؤل الحتمي الذي يقلب الطاولة على عرابي السياسة الأمريكية: إذا كانت واشنطن تعول على “جنون” رئيسها لترويع خصومها وابتزازهم، فماذا لو أدركت متأخرة أنها تتعامل مع طرف مستعد لمقابلة الجنون بجنون أشد؟ إن الرهان على تراجع الدول ذات الإرادة الصلبة خوفاً من تهور ترامب هو رهان خاسر، فمن يمتلك زمام المبادرة الميدانية ويفرض شروطه في أوقات السلم والحرب، لن يرضخ لابتزاز “الرجل المجنون”، بل قد يدفعه وحلفاءه نحو حافة هاوية لا يملكون رفاهية النجاة منها.
