سودان تمورو
في غمرة الاشتباك الجيوسياسي الراهن، غالباً ما أتجنب في تحليلاتي التوقف طويلاً أمام السرديات التي تضخها الماكينة الإعلامية الغربية، مثل “رويترز” و”وول ستريت جورنال” و”أكسيوس”، أو تلك التسريبات التي تجد طريقها أحياناً إلى منصاتنا العربية البارزة. فهذه المواد، في معظمها، لا تعدو كونها تروساً في آلة “حرب نفسية” وحملات إعلامية منسقة تُدار من غرف عمليات محددة. ولكن، تبرز بين الحين والآخر نماذج فاقعة تفرض على المحلل السياسي التوقف عندها، لا لتصديقها، بل لتفكيكها وتقديم درس منهجي في كيفية قراءة ما وراء السطور. ولعل أحدث هذه النماذج هو التسريب الذي زُعم أنه يستند إلى “مصادر موثوقة”، ويتضمن مقترحاً إيرانياً من 14 بنداً للتفاوض مع واشنطن.
الوثيقة المزعومة تتحدث عن ثلاث مراحل أساسية؛ تبدأ أولاها بتحويل أي وقف لإطلاق النار إلى إنهاء كامل للحرب خلال 30 يوماً بضمانة مؤسسة دولية، وإقرار عدم اعتداء متبادل يشمل حلفاء واشنطن وإسرائيل. وتمتد هذه المرحلة لتشمل تعهد طهران بفتح مضيق هرمز وتطهيره من الألغام، مقابل رفع تدريجي للحصار عن الموانئ الإيرانية، وصياغة آلية جديدة للتعويضات، وانسحاب القوات الأمريكية من الجوار البحري الإيراني. أما المرحلة الثانية، فتغوص في الملف النووي، مقترحة تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة تصل إلى 15 عاماً، مع السماح لاحقاً بالتخصيب بنسبة 3.6%، ورفض تفكيك البنية التحتية النووية، والبحث في مصير اليورانيوم عالي التخصيب، مقابل آلية مجدولة لرفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة. لتُختتم الوثيقة بمرحلة ثالثة تدعو فيها طهران لحوار استراتيجي مع المحيط العربي لتأسيس نظام أمني إقليمي.
بعيداً عن تفاصيل هذا العرض الدراماتيكي، فإن قراءة تحليلية هادئة لبيئة هذا الخبر تكشف عن مفارقات صارخة. أولى هذه المفارقات تتعلق بـ “المصادر”. ففي ظل حالة الاستقطاب والحرب الخفية والمعلنة الحالية، فقدت وسائل الإعلام الغربية (وحتى الإقليمية) أي وصول حقيقي لدوائر صنع القرار العميقة في طهران. لقد ولى الزمن الذي كانت تتسرب فيه مسودات التفاوض كما كان يحدث في حقبة الاتفاق النووي السابقة. بالتالي، فإن الاستنتاج المنطقي الوحيد هو أن هذه التسريبات صُنعت في أروقة أمريكية بامتياز؛ حيث جرت العادة أن تقوم واشنطن بتمرير أنصاف حقائق أو وثائق مختلقة بالكامل لوسائل إعلام بعينها، لتقوم أخرى بإعادة تدويرها كـ “أخبار من مصادر عليمة”.
المفارقة الثانية، والأكثر دلالة، تكمن في ما بين سطور النص المزعوم، الذي ينطق بلسان استسلام لا تفاوض. الوثيقة المسربة تضع على كاهل طهران قائمة طويلة من التنازلات الجوهرية: فتح مضيق هرمز بالكامل، تنظيف الألغام، تجميد البرنامج النووي لعقد ونصف، وتقديم تنازلات أمنية. في المقابل، ماذا تجني؟ مجرد وعود ضبابية بآلية لرفع العقوبات وإنهاء حصار بحري أمريكي غير مكتمل أصلاً. إن هذه الصيغة تفترض أن المفاوض الإيراني مستعد لمقايضة أوراقه الاستراتيجية الرابحة بوعود ورقية، أو بعبارة أدق، استبدال الذهب الخالص بقطع نقدية مزيفة، وهو ما يتنافى مع أبجديات العقلية التفاوضية الإيرانية التي يقر بها خصومها قبل حلفائها.
أما المفارقة الثالثة، فهي الانفصال التام عن واقع الميدان. هذه “الوثيقة” لم تُصغَ لدولة تقف على أرض صلبة وتدير شبكة نفوذ إقليمية واسعة، بل كُتبت لتلائم نظاماً منهاراً يرفع الراية البيضاء. وحتى لو افترضنا أن إدارة متشددة في واشنطن هي من صاغت هذا النص لفرض إملاءاتها، لكانت أضافت بعض المكاسب الوهمية للطرف الآخر لحفظ ماء الوجه وجعل الوثيقة قابلة للتصديق. غياب أي انعكاس لتوازن القوى الحقيقي على الأرض في هذا النص، هو الدليل الدامغ على كونه صنيعة غرف الإضاءة الخافتة، لا قاعات التفاوض الحقيقية.
إن الهدف من ضخ هذه السرديات المركبة يتجاوز مجرد الإثارة الصحفية؛ إنه مسعى متعدد الطبقات يهدف إلى إحداث اختراقات في جدار الجبهة الداخلية للخصم، وإرباك الحسابات السياسية، وصناعة انتصارات إعلامية تعوض الإخفاقات في ميادين المواجهة الفعلية. يُراد من خلال هذه التسريبات تصوير حصار ورقي على أنه إنجاز استراتيجي، وتصوير الطرف الآخر على أنه يلهث خلف تسوية مهينة. وللأسف، تجد هذه الشراك طريقها أحياناً إلى تحليلات جادة في عالمنا العربي، فتخلق تساؤلات ملغومة وتوجه الرأي العام نحو استنتاجات خاطئة. لذا، وأمام هذا السيل من التضليل، يبقى السؤال المنهجي الأهم الذي يجب أن نطرحه عند كل “سبق صحفي” في زمن الحروب: في ميزان المستفيدين، لصالح من ترجح كفة هذا الخبر؟
