الأربعاء, مايو 6, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيتاجر العقارات يصطدم بفن التورية الدبلوماسي!.. ابراهيم خالد

تاجر العقارات يصطدم بفن التورية الدبلوماسي!.. ابراهيم خالد

سودان تمورو

خرج دونالد ترمب بتصريح يكشف أكثر مما يخفي، حين عبّر عن استيائه من سلوك إيران الذي لا يعجبه: “يتحدثون معي باحترام وتقدير ثم يقولون إنهم لم يتحدثوا معي”. هي جملة قالها الرجل الذي دخل البيت الأبيض حاملاً عقلية رجل الصفقات العقارية، فألقى بنفسه في متاهة الدبلوماسية الدولية دون أن يدرك أن لغة “الاحترام والتقدير” ليست بالضرورة لغة تفاوض مباشر، بل قد تكون أحياناً أداة تفاوض في حد ذاتها. فما يراه ترمب تناقضاً أو لعباً، هو في صلب ثقافة تفاوضية عريقة لا تفهم غير التورية والمراوغة تحت سقف الأدب الرفيع.

الإيرانيون الذين خاطبهم ترمب ليسوا زبائن في برج من أبراجه، بل دبلوماسيون تدرّبوا في مدرسة “التقية” السياسية والبازار الفارسي، حيث تُنسج الكلمات كما يُنسج السجاد، بألوان زاهية في الظاهر، وعُقد محكمة في الباطن. إنهم يُجيدون لغة مزدوجة: في واجهتها تقدير واحترام يليق بمقام من يخاطبونه، وفي أعماقها رسائل قوية واضحة لمن يحسن فك شفراتها. وحين يقولون لترمب “لم نتحدث معك” بعد أن أطرَوه بكلمات التبجيل، فهم في الحقيقة يقولون: حوار الصفقة لم يبدأ بعد، وما دار كان مجرد استطلاع نوايا وتليين مواقف بلغة ناعمة. أما الرئيس الأميركي، ابن عالم الصفقات الفجّة حيث “نعم” تعني نعم و”لا” تعني لا، فإنه لم يجد في قاموسه الفكري باباً يسميه “نعم المبطنة بلا”، ولا أفقاً لفهم أن الخصم يمكن أن يكون محترماً وهو يضمر العكس.

وهنا تكمن المأساة الكبرى في المشهد: رجل لا يقرأ ما بين السطور، يواجه أمة تتقن كتابتها. ترمب يختزل العالم في معادلات البيع والشراء، حيث الكلمة الواحدة تحمل قيمة ظاهرة واحدة، فيصطدم بطبقة من الدبلوماسيين الذين حوّلوا الالتباس اللفظي إلى فن، واستخدموا الإطراء درعاً لإخفاء النوايا. تلميحه إلى أن إيران “تريد صفقة لكنها تمارس الألاعيب” ليس سوى اعتراف ضمني بأنه عاجز عن قراءة قواعد ملعب لا يعرفه. وما وصفه بـ”حصار بحري كتلة من فولاذ” و”اقتصاد ينهار” ليس سوى ورقة ضغط في لعبة لا يملك مفاتيحها، بينما الطرف الآخر يبادله الابتسامات والقبلات البلاغية، ويواصل بناء موقعه التفاوضي تحت رماد التهذيب.

والمفارقة أن ترمب نفسه، وهو رجل الإعلام والإثارة، لا يخلو تصريحه من اعتراف بفشل في فك شيفرة الخصم، وكأنه يصرخ: كيف يتجرأون على التعامل معي بذكاء فلا أستطيع اتهامهم بالوقاحة، ولا أستطيع البناء على ودّهم؟ إنه مأزق رجل اعتاد أن يكون الطرف الذي يقلب الأمور لصالحه بالصوت العالي والمفاجآت المدوية، فإذا به اليوم يقف عاجزاً أمام رجل دبلوماسي إيراني يروض الكلمات كما تروّض الأفاعي.

الخلاصة التي تغيب عن ترمب أن التعامل مع إيران لا يكون بالصراخ ولا بالحصار الفولاذي وحده، بل بفهم أن كل حوار معها يبدأ بطبقة عازلة من الأدب الفارسي الذي يليّن الأجواء ويمتص الصدمات، قبل أن ينتقل شيئاً فشيئاً إلى جوهر المطالب تحت غطاء من “الظلال اللفظية”. وطالما بقي ترمب يجهل هذه اللغة، سيظل يقع في فخ المجاملات، وسيظل يخرج إلى الصحافة شاكياً من غدر من يمنحونه تقديرهم احترامهم، ثم يطعنونه بالتأدب ذاته. إنها حكاية تاجر العقارات الذي اشترى قصراً فخماً في واشنطن، لكنه لم يشترِ معه دليل الاستعمال.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات