الخميس, مايو 7, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيعناد الجغرافيا ووهم الحسم!.. جمال عبد القادر

عناد الجغرافيا ووهم الحسم!.. جمال عبد القادر

سودان تمورو

من هنا، ومن قلب العاصمة السودانية الخرطوم، حيث لطالما راقبنا تقلبات الشرق الأوسط بعين تدرك جيداً تعقيدات الجغرافيا وحقائق التاريخ، يبدو المشهد في الخليج اليوم مثيراً للتأمل العميق. ففي قراءة متأنية لما كشفته مجلة “ذا أتلانتيك” الأميركية مؤخراً، تتكشف لنا صورة مغايرة تماماً للسردية التي تروج لها واشنطن؛ صورة تؤكد أن شهرين من المواجهة المباشرة لم تسفر عن كسر الإرادة، بل أبرزت نقاط قوة لم تكن في الحسبان، تتجلى أولى ملامحها في شلل مذهل يصيب حركة الملاحة، حيث تقف اليوم نحو 1550 سفينة بحرية عالقة في مياه الخليج، في مشهد يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.

إن استعداد القيادة الإيرانية لكسر هدنة استمرت شهراً كاملاً لا يعكس تهوراً بقدر ما يترجم رغبة شرسة، وربما وجودية، في إحكام قبضتها على مضيق هرمز. ومن وسط ركام هذه المواجهة، تمكنت طهران من ابتكار أوراق ضغط جديدة لم تكن تملكها، أو على الأقل لم تكن تدرك مدى فاعليتها قبل اندلاع الشرارة الأولى. فرغم حالة الإنهاك المفترضة، نجحت الآلة العسكرية الإيرانية في خلق حالة ردع حقيقية للسفن المعادية، بل وتجاوزت منظومات الدفاع الجوي المتطورة، فارضة سيادة ميدانية على المضيق كلفت الخزانة الأميركية خسائر تقدر بمليارات الدولارات.

لعل المفارقة الصارخة التي تفرض نفسها الآن على طاولات صناع القرار، هي أن هذه السيطرة الإيرانية المحكمة على المضيق الاستراتيجي قد تتحول بهدوء إلى “الوضع الطبيعي الجديد”. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لنجاح استراتيجي حققته تلك القيود الميدانية، والتي سرعان ما تُرجمت إلى صدمة مدوية في أسواق الطاقة العالمية، ملوحة بخراب اقتصادي يطال العالم بأسره. وهو ما شكل في نهاية المطاف ضغطاً هائلاً، وربما غير مسبوق، على كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، لدفعهما نحو طاولة المفاوضات كخيار إجباري لا تكتيكي.

لكن المضيق، على أهميته، لم يكن الورقة الوحيدة في جعبة طهران. فالتسريبات التي نقلتها شبكة “سي بي إس” عن مسؤولين أميركيين في أواخر أبريل، تحمل في طياتها اعترافاً مبطناً بصمود الترسانة الإيرانية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن 60% من القوة البحرية الإيرانية لا تزال “موجودة”، وأن ثلثي سلاح الجو لا يزال “قيد التشغيل”. ورغم الفجوة التقنية والتسليحية الهائلة مقارنة بالآلة العسكرية الأميركية الجبارة، أثبتت القوات الإيرانية أنها أصلب عوداً وأكثر كفاءة مما قدرت مراكز الأبحاث والاستخبارات الغربية.

وفي خضم هذه المعركة غير المتكافئة، برز تكتيك “أسطول البعوض” كعلامة فارقة. تلك الزوارق السريعة والمراوغة التي نجحت في الإفلات من شبكات الرصد المعقدة، لم تكتفِ باستعراض القوة، بل بثت الرعب في أوصال السفن العسكرية والتجارية على حد سواء. هذا الصمود غير المتوقع دفع مسؤولين داخل إدارة ترامب للاعتراف بصدمتهم إزاء القدرة الإيرانية على امتصاص الضربة والرد. واليوم، بينما يصر الرئيس ترامب على إطلاق تصريحات تؤكد تدمير إيران وانتهاء الحرب، ينطق الواقع الميداني بحقيقة أخرى تماماً؛ فبعد شهرين من المواجهة المفتوحة مع القوة العظمى الأولى في العالم، لا تزال إيران ترفض رفع الراية البيضاء، لتثبت مجدداً أن حسابات الحقل نادراً ما تتطابق مع حسابات البيدر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات