الخميس, مايو 7, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيعورة العدالة التي تفترس الضعيف وتتملق للقوي... عبد الحميد سيد البوشى

عورة العدالة التي تفترس الضعيف وتتملق للقوي… عبد الحميد سيد البوشى

سودان تمورو
في السودان، صارت الذاكرة كالغربال، تتسرب منها آلام الضعفاء والمساكين، بينما تطفو الرؤوس الكبيرة على السطح مهما تغطست في دم الأبرياء.
مئة وأحد عشر يوماً بعد مئة وألف يوم من الحرب، وما زلنا نشهد العجب. نرى كيف تحول “المبدأ” لدى البعض إلى أستيكة تمحو التاريخ وتكتب ما يخدم اللحظة.
أتذكرون المرأة الستينية التي كان ذنبها الوحيد أنها سقت جنود الدعم السريع ماء؟ أتذكرون الشاب المستنفر، الذي لم تظهر عضلاته إلا أمام ضعفها، يلطم وجهها وهي عارية من الحماية، يسألها بصلف: “لماذا سقيتهم الماء؟” كأنما تستطيع أن ترفض سقايتهم بل كأنما هو نفسه أو قائده يستطيع أن كان في موقفها أن يرفض سقايتهم في شريعة الغاب تلك أصبحت شربة الماء خيانة عظمى تستوجب الضرب والإهانة لامرأة في عمر أمهاتنا.
وأين المفارقة؟ في أن المرأة نفسها توصف بـ”المتعاونة” وتهان كرامتها، بينما نرى الأبطال في نظر الزمن الأغبر هم أولئك الذين كانوا جزءاً من المليشيا. نرى “بقال” وقد عاد إلى حضن الوطن بطلاً غيوراً، وكيكل فاتحا جسورا ونرى “النور قبة” يقول “انضممنا” لا “استسلمنا”، والناس تهتف له في تيك توك: “مرحبة بعودته”.
باختصار: إن كنت قائداً ومعك سلاح أو بث مباشر، فخيانتك تصير “انضماماً”، وخطؤك يصير “عودة لحضن الوطن”. أما إن كنت امرأة مسكينة او رجل بسيط لا كلاشنكوف يردع ولا قبيلة تحمي، فشربة الماء تصبح وصمة عار وكفوف على الوجه ثم ذبح من الاضان الي الاضان .
الوجع ليس في الحرب وحدها، بل في المعايير المزدوجة. كيف نقبل أن كيكل من شرد أهل الجزيرة وعاث فيها فساداً وقتلا واغتصابا يعود اليها كبطل بعد أن عاد (لحضن الوطن ) بينما الأم التي لا تملك سوى ستر جسدها تضرب وتهان؟ إنها عورة العدالة التي تفترس الضعيف وتتملق للقوي.

رسالة لكل أسد على الضعفاء: التاريخ لا يرحم، والذاكرة وإن ضعفت ستبقى فيها صورة تلك المرأة وصوت الكفوف التي وجعت قلوبنا قبل وجهها. الماء لم يكن جريمة قط، الجريمة أن ننسى الوجع ونصفق لمن كان سببه.

عرض أقل
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات