الجمعة, مايو 8, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين تطلب واشنطن "الكاش" وتعد بالآجل!.. بقلم يوسف سليم

حين تطلب واشنطن “الكاش” وتعد بالآجل!.. بقلم يوسف سليم

سودان تمورو

تتكشف فصول المسرحية السياسية الأمريكية مرة أخرى، وهذه المرة عبر تسريبات من “وول ستريت جورنال” تحمل في طياتها ما يسمى بالعرض الأمريكي “الأكثر تفصيلاً” لإيران. ولكن بالتدقيق في بنود هذا العرض، لا نجد تفاصيل صفقة، بل نجد شروط استسلام كاملة، مصممة وفق منطق قديم عفى عليه الزمن؛ منطق القوة التي تملي ولا تفاوض، وتطلب ثمناً باهظاً وفورياً مقابل وعود مؤجلة ومبهمة. إنها ببساطة معادلة واشنطن المفضلة: أن تأخذ منك كل شيء نقداً “كاش”، وتعدك بأن تسدد لك حقوقك “بالآجل”، وهو أجل قد لا يأتي أبداً.

إن ما تطرحه واشنطن ليس حلاً أو مخرجاً، بل هو طلب صريح بتفكيك شامل لعقود من الاستثمار العلمي والتقني والسيادي. تطالب بتجريد إيران من كل مكونات برنامجها النووي؛ من فردو إلى نطنز وأصفهان، ومن ثم شحن كل ذرة يورانيوم مخصب إلى خارج البلاد، وفرض حظر أبدي على أي نشاط تحت الأرض. ولا تكتفي بذلك، بل تطلب حق التفتيش المطلق والفوري، مع سيف العقوبات التلقائية المسلط على الرقاب. وفوق كل هذا، تجميد لأي تخصيب لمدة عشرين عاماً قادمة. إنها ليست مجرد قيود، بل هي عملية بتر كامل لأي قدرة حالية أو مستقبلية، وإعادة إيران إلى نقطة الصفر، مكبلة بسلاسل من الرقابة الدولية الدائمة.

وفي مقابل هذا التنازل الوجودي، ماذا تعرض الإدارة الأمريكية؟ تعرض سراباً في صحراء العقوبات. تتحدث عن “إعادة فتح تدريجي” لمضيق هرمز، و”تخفيف” للضغوط، و”رفع للعقوبات”، ولكن كل ذلك مربوط بشرط واحد غامض وفضفاض: “الالتزام الكامل” من الجانب الإيراني. ومن هو الحكم الذي سيقرر هذا الالتزام؟ هي واشنطن نفسها. إنها نفس اللعبة القديمة التي سئمتها المنطقة والعالم؛ حيث تكون التزامات الطرف الآخر فورية ومادية وملموسة، بينما تكون التزامات أمريكا كلامية وتدريجية وخاضعة لتفسيرها ومصالحها المتقلبة. إنها جزرة معلقة بخيط، مصممة لإغراء الطرف الآخر بالتخلي عن كل أوراقه مقابل وهم لا يمكن بلوغه.

قد يرى البعض في هذا العرض “اعتدالاً” مقارنة بما طرحه ترامب، أو محاولة لتجنب خيار الحرب، ولكن هذا تحليل قاصر يغفل عن جوهر التحولات في موازين القوى العالمية. لقد ولى الزمن الذي كانت فيه واشنطن تضع الشروط وعلى الآخرين القبول. دخلنا عصراً جديداً عنوانه الندية، وتوازن المصالح، واحترام سيادة الدول وقدراتها التي اكتسبتها. لم تعد لغة الإملاءات والضغوط القصوى قادرة على تحقيق ما عجزت عنه في السابق. إن الدرس الأهم الذي تعلمته دول المنطقة، وربما العالم، هو أن الحقوق السيادية والاستحقاقات الاستراتيجية لا تُمنح كهدايا دبلوماسية، بل تُنتزع عبر بناء القوة وفرض المعادلات على الأرض. فما لم يكن بالإمكان أخذه بقوة السلاح والحصار، لن يؤخذ حتماً بدبلوماسية تهدف إلى نزع السلاح مقابل وعود في الهواء.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات