سودان تمورو
مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي في إسرائيل، تتصاعد حدة الاستقطاب والمنافسة بين مختلف الأحزاب والتيارات السياسية، في مشهد يبدو أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فرغم استمرار التوترات على الجبهة الشمالية والتلويح باحتمالية اندلاع مواجهة جديدة مع إيران، تنخرط النخب السياسية الإسرائيلية في حراك انتخابي محموم، تسعى من خلاله لإعادة هندسة التحالفات وتأمين موطئ قدم في التشكيلة الحكومية المرتقبة، في محاولة لاستغلال حالة التململ الشعبي وتوجيه الدفة السياسية نحو مسارات جديدة.
في خضم هذا الحراك، برز إعلان كل من نفتالي بينيت ويائير لبيد، وهما من أبرز أقطاب المعارضة، عن خوض الانتخابات المقبلة للكنيست عبر قائمة موحدة تحمل اسم “معاً”. وقد امتدت طموحات هذا التحالف لتشمل توجيه دعوة لغادي آيزنكوت للانضمام إليه، بهدف تشكيل جبهة معارضة واسعة النطاق. ورغم أن الاستطلاعات الأخيرة لصحيفة “معاريف” منحت هذه القائمة الصدارة بـ 28 مقعداً، إلا أن قراءة متأنية للأرقام تكشف عن مفارقة لافتة؛ فقبل الاندماج، كانت مقاعد الحزبين مجتمعة تصل إلى 31 مقعداً. هذا التراجع الطفيف ألقى بظلاله على الكتلة الكلية للمعارضة التي تراجعت إلى 60 مقعداً، لتفقد بذلك أغلبيتها البرلمانية وتصبح مرتهنة في أي مسعى لتشكيل الحكومة بضرورة التحالف مع القائمة العربية الموحدة (راعم).
إلى جانب هذه التحالفات، تشهد الساحة الإسرائيلية مخاضاً لتشكيلات سياسية جديدة قد تعيد خلط الأوراق. وتتواتر الأنباء عن مساعٍ لتأسيس حزب يميني جديد يضم شخصيات بارزة انشقت سابقاً عن حزب الليكود، أمثال يولي إدلشتاين، وموشيه كحلون، وجلعاد أردان، وهو تحالف قد يحصد 4 مقاعد وفقاً للاستطلاعات. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل مباحثات بين حزب “قوات الاحتياط” بقيادة يوعاز هندل، و”الحزب الاقتصادي” بزعامة يارون زليخا، في ائتلاف يُتوقع أن يحصد 5 مقاعد إضافية. هذه الديناميكية المتسارعة تؤكد أن المشهد الانتخابي لا يزال مفتوحاً على مفاجآت قد تغير شكل التحالفات النهائية.
في المقابل، تبدو الصورة قاتمة داخل أروقة الائتلاف الحاكم، حيث تشهد شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تراجعاً حاداً غير مسبوق. ففي المواجهة المباشرة مع خصومه، أظهرت استطلاعات “معاريف” تفوق بينيت بـ 46% مقابل 41% لنتنياهو كشخصية أنسب لرئاسة الحكومة، بينما تقدم آيزنكوت بـ 44% مقابل 42%. هذا التهاوي في أسهم نتنياهو وائتلافه يعكس أزمة ثقة عميقة بين القيادة والشارع الإسرائيلي، مما يقلص من حظوظه في الاحتفاظ بكرسي السلطة في الانتخابات القادمة إذا ما استمرت هذه المؤشرات.
وتتعمق أزمة الحكومة بالنظر إلى طريقة إدارتها للملفات الأمنية والعسكرية، إذ لا تتجاوز نسبة الرضا عن الأداء الحكومي خلال الحرب الأخيرة 38% بين الإسرائيليين، وفقاً لمعهد “ديمقراطية إسرائيل”. وتتجلى حالة الغضب الشعبي بوضوح في الموقف من وقف إطلاق النار مع إيران، والذي لم يحظَ بتأييد سوى 26%، بينما يطالب 80% باستمرار العمليات العسكرية ضد حزب الله. ويتركز هذا السخط بشكل خاص بين سكان المستوطنات الشمالية، الذين يحملون الحكومة مسؤولية انعدام الأمن لضغوطها على الجيش لإنهاء القتال، وهو ما أدى إلى انهيار شعبية نتنياهو في مدن كبرى مثل حيفا.
تشير هذه المعطيات المتضافرة إلى تنامي حالة الرفض الشعبي لحكومة نتنياهو، مدفوعة بتراكمات ملفات شائكة كوقف إطلاق النار في لبنان، وأزمة تجنيد “الحريديم”، والتهرب من تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في أحداث السابع من أكتوبر. وفي ظل هذا المشهد المحتقن، تجد المعارضة نفسها أمام فرصة ذهبية للانقضاض على السلطة في الاستحقاق الانتخابي الذي تلوح في الأفق بوادره، سواء عُقد في الثامن من سبتمبر أو في السابع والعشرين من أكتوبر المقبلين، في اقتراع قد يرسم ملامح حقبة جديدة في تاريخ إسرائيل السياسي.
