السبت, مايو 9, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف أصبحت واشنطن رهينة بيد بكين؟..  احمد حسن

كيف أصبحت واشنطن رهينة بيد بكين؟..  احمد حسن

سودان تمورو

في مفارقة صارخة تكشف هشاشة القوة العظمى في زمن الحروب الممتدة، تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم أمام مأزق إستراتيجي غير مسبوق؛ فبينما تدعي إدارة الرئيس دونالد ترامپ أن حربها الجارية في إيران لم تكلف الخزينة حتى الآن سوى 25 مليار دولار، تدرك الدوائر الضيقة في واشنطن أن هذا الرقم ليس سوى قمة جبل الجليد. فقد سارع البيت الأبيض بطلب ميزانية تكميلية ضخمة تبلغ 200 مليار دولار لتغطية نفقات هذه الحرب، غير أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في طباعة الدولارات، بل في الأرقام القاسية التي تفرزها إحصاءات مستودعات السلاح. إذ تشير تقارير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن واشنطن استنزفت في هذه الحرب وحدها 45% من مخزون صواريخها الدقيقة، ونصف صواريخها الاعتراضية من طراز “ثاد”، وما يقرب من نصف منظومات “باتريوت PAC-3″، فضلاً عن 30% من صواريخ “توماهوك” وأكثر من 20% من صواريخ “JASSM” بعيدة المدى. وإذا ما أضيفت هذه الأرقام إلى ما استُنزف في أوكرانيا، فإننا أمام مشهد يصفه البنتاغون في تقييماته الداخلية بأنه “خطر قصير الأجل” يهدد بنفاد الذخيرة تماماً.

بيد أن الكارثة التي تتجاوز مجرد فراغ المستودعات، وتتجنب التقارير الرسمية تسليط الضوء عليها، هي حقيقة أن واشنطن لن تتمكن من إعادة ملء هذه الترسانة دون الحصول على “ضوء أخضر” من العاصمة الصينية بكين. فبنظرة فاحصة على الأسلحة الأربعة الرئيسية التي استهلكتها أمريكا بكثافة مؤخراً، يتضح أن المواد الحيوية اللازمة لتصنيعها تمر حصرياً عبر شرايين الإمداد الصينية. على سبيل المثال، استهلكت القوات الأمريكية أكثر من ألف صاروخ “توماهوك”، وهو ما يعادل إنتاج عشر سنوات كاملة، وتعتمد هذه الصواريخ في محركاتها على مغناطيس “الساماريوم-كوبالت”، وهي مادة تستخرج الصين وتكرر 99% من إنتاجها العالمي، وقد أخضعتها لقيود تصدير صارمة منذ أبريل 2025، مما يجبر شركات كبرى مثل “رايثيون” على استجداء بكين لاستئناف الإنتاج.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فصواريخ “باتريوت PAC-3” الاعتراضية التي استُهلك منها أكثر من 1200 صاروخ، تعتمد في أنظمة توجيهها وراداراتها على نفس المادة، بالإضافة إلى “أكسيد الإيتريوم” الذي وفرت الصين 93% من واردات أمريكا منه بين عامي 2020 و2023. أما صواريخ “JASSM-ER” الشبحية، فتعتمد محركاتها على مغناطيس معزز بعناصر الديسبروزيوم والتيربيوم للحفاظ على استقرارها الحراري، وبدون هذه العناصر التي تحتكر الصين تكريرها عالمياً، يفقد الصاروخ فاعليته في الجو. ويمتد هذا الشلل التكنولوجي ليصل إلى درة التاج في سلاح الجو الأمريكي، مقاتلات “F-35″، التي أقرّت وزارة الدفاع الأمريكية بأن كل طائرة منها تحتاج إلى 416 كيلوغراماً من العناصر الأرضية النادرة، وهي مواد تخضع حالياً لنظام التراخيص الصيني. وبحسبة بسيطة، تحتاج واشنطن اليوم لتعويض هذه المنظومات الأربع إلى ما بين 5 و10 أطنان من المغناطيس الأرضي النادر المخصص للاستخدام العسكري، والمشكلة أن أكثر من 95% من هذه الكميات تقبع تحت السيطرة المطلقة لجمهورية الصين الشعبية.

هنا تتجلى حنكة بكين الإستراتيجية التي تدرك تماماً أنها تمتلك كل أوراق اللعبة، وتعرف متى وكيف تلقي بها على طاولة الشطرنج الدولي. فقد نسجت الصين ببراعة شبكة من القيود التصديرية الخانقة، بدأت بالغاليوم والجرمانيوم في أغسطس 2023، ثم حظر تصدير الأنتيمون بالكامل إلى أمريكا في أواخر 2024 مما رفع سعره بنسبة 134%، تلاها قيود على التنغستن في أوائل 2025 قفزت بأسعاره بنسبة خيالية بلغت 557%. ولم تكتفِ بكين بذلك، بل وسعت نطاق هيمنتها في أكتوبر 2025 لتشمل كل منتج في أي بقعة من العالم يحتوي ولو على 0.1% من العناصر النادرة ذات المنشأ الصيني.

في ظل هذا الحصار الصامت والمحكم، تتوجه الأنظار إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامپ ونظيره الصيني شي جين بينغ في 14 مايو 2026. وليس مستغرباً أن تتصدر أزمة “العناصر الحيوية” جدول أعمال هذه القمة، وهو ما عبر عنه الممثل التجاري الأمريكي بوضوح حين صرح بأن الهدف الأساسي هو ضمان استمرار تدفق هذه العناصر من الصين. لتستيقظ الإمبراطورية الأمريكية على حقيقة جيوسياسية قاسية مفادها: أن الشيء الوحيد الأسوأ من الدخول في حرب دون استعداد، هو العجز التام عن الاستعداد للحرب التي تليها، خاصة عندما يكون خصمك الأكبر هو من يمتلك مفاتيح “الجدول الدوري” للعناصر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات