السبت, مايو 9, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيما بعد نصر الله!.. بقلم رفعت سيف الدين

ما بعد نصر الله!.. بقلم رفعت سيف الدين

سودان تمورو

أكتب هذه الكلمات من القاهرة، وفي بالي صورة السيد حسن نصر الله وهو يطل علينا في عز الأزمات، هادئاً واثقاً، ليزرع في قلوبنا طمأنينة كنا بأمس الحاجة إليها. كان صوته وحده كافياً لنشعر أن المقاومة بخير، وأن الضربة القادمة لن تكسرنا، بل ستزيدنا قوة. لم يكن نصر الله مجرد قائد عسكري، بل كان “صوت” المقاومة الذي يفهمه الناس، الصوت الذي يخرج من قلب الحدث لا من غرف البيانات.

اليوم، في غيابه، نجد أنفسنا أمام مشهد مختلف. التصعيد في الإقليم متواصل، والتهديدات الإسرائيلية تطال العمق الإيراني، والمقاومة تواجه استحقاقات كبرى. لكن اللافت أن الخطاب الصادر عن قيادات المحور – وبالأخص في طهران – بقي أسير لغة رسمية باردة، أقرب إلى البيانات العسكرية، بعيدة عن وجدان الناس. في هذه اللحظة الحرجة، لا تحتاج إيران فقط إلى منظومات دفاعية ومسيرات متطورة ودبلوماسية خلف الكواليس. بل تحتاج – وربما أكثر من أي وقت مضى – إلى “لغة”. إلى “صوت” حقيقي.

تحتاج إلى صوت لا يشبه البيانات الجافة، ولا خطاب الإذاعة والتلفزيون الرسمي الذي اعتاده الإيرانيون. صوت ينبع من عمق الأزمة، لا من غرفة عمليات. صوت يستطيع أن يقول للناس بصدق: “تلقينا ضربات موجعة، لكننا لم ننهار. نحن في حزن، لكننا لسنا بلا مستقبل. نحن في خطر، لكننا لسنا بلا حماية. لدينا رؤية. ونحن قادرون حقاً”.

هذا الصوت هو ما افتقدناه بعد رحيل نصر الله. صحيح أن حزب الله ما زال يمتلك قيادات ميدانية وكوادر سياسية، لكن أحداً لم ينجح حتى الآن في ملء الفراغ الخطابي الذي تركه السيد. والفراغ نفسه يمتد إلى العواصم الحليفة، وعلى رأسها طهران. ربما تدرك النخب السياسية والعسكرية أن المعركة إعلامية بقدر ما هي ميدانية، لكنها لم تفلح بعد في إنتاج خطاب يوازي حجم التحدي، خطاب يخاطب الإنسان لا الجمهور، القلب لا الأيديولوجيا.

كم نتمنى، ونحن نراقب من مصر هذا المشهد، أن تسير قيادات المقاومة – في لبنان وإيران وفلسطين – على درب الشهيد، ليس فقط في التخطيط العسكري، بل في “فن الكلمة”. أن تتعلم أن الطمأنينة التي يزرعها القائد في شعبه هي رصيد استراتيجي لا يقل عن رصيد الصواريخ. فبدون “كلمة” صادقة قريبة من الناس، قد تجد المقاومة نفسها منتصرة عسكرياً لكن مهزومة نفسياً.

إن إرث نصر الله الحقيقي لم يكن سراً عسكرياً، بل كان “لساناً” يجيد الحديث في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة. وهذا هو التحدي الأكبر اليوم: أن تجد المقاومة “نصر الله” آخر… في الكلمة قبل الميدان.

من القاهرة، نرسل هذه الرسالة: يا قادة المحور، شعوبكم تنتظر الصوت الذي يبدد الخوف ويعيد الثقة. لا تبخلوا عليها بالكلمة الصادقة، فالحرب لم تعد فقط في الجو والأرض… بل في العقول والقلوب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات