الأحد, مايو 10, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيصمت في قلب العاصفة!.. بقلم رعد الناصري

صمت في قلب العاصفة!.. بقلم رعد الناصري

سودان تمورو

في اللحظات الفارقة التي تنخرط فيها الدول في أتون الحروب، أو تتلقى ضربات أمنية قاصمة، أو تغرق في أزمات شاملة، لا تقتصر المهمة الكبرى للقيادات على مجرد إصدار الأوامر العسكرية، أو إدارة الميدان، أو تلاوة البيانات الرسمية. في تلك اللحظات الفاصلة، تتعطش الشعوب لصوت قيادي يصارحها بالحقيقة، ويستوعب قلقها الجمعي، ويضبط بوصلتها، ويبدد إحساسها المرير باليتم السياسي أو التخلي. فالحرب، في جوهرها، لا تدور رحاها فقط في السماوات المفتوحة أو على الحدود وفي الثكنات؛ بل تستعر في عقول الناس، داخل الغرف المغلقة، في همهمات العائلات، في هواجس الليل، وفي الصورة التي يرسمها المجتمع لمستقبله.

وعند التأمل في المشهد الإيراني، عقب الهجوم الأميركي والإسرائيلي واستشهاد القيادة، ندرك أن المعضلة لم تكن مجرد فراغ في السلطة أو صدمة أمنية عابرة؛ بل كانت زلزالاً نفسياً وسياسياً بامتياز. فالحوادث التي تلت وقف إطلاق النار تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن إيران لا تواجه حدثاً محدوداً، بل أزمة ممتدة ومتعددة الطبقات. في مناخ مشحون كهذا، يصبح التواصل مع الجماهير مسألة حياة أو موت. الناس لا يبحثون فقط عن “ماذا حدث”، بل يريدون أن يفهموا: ماذا تعرف الدولة؟ وماذا يغيب عنها؟ ما هي خطتها؟ وهل تسمع أصلاً أنين معاناتهم ومخاوفهم؟ هنا، تسقط أوراق التوت عن البيانات الرسمية الباردة، واللغة الخشبية، والشعارات المستهلكة. فالمجتمع المقاوم، وهو مجتمع مسيّس، يقظ، ومثخن بالتجارب والجراح، بات يتجاوز الخطاب المصطنع، ويمتلك راداراً دقيقاً يفرز بصدق بين الكلمة النابعة من القلب وتلك المعلبة في أروقة الدعاية.

والمتأمل في عمق المشهد يدرك أن أزمة إيران اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي “أزمة لغة سياسية”. فالرئيس بزشكيان، ورغم ما يبدو عليه من صدق شخصي، يفتقر إلى ملكة الخطابة، ويعجز في لحظات الهلع العام عن مخاطبة الأمة بلغة تاريخية، خالدة، وقادرة على الحشد. وهي ذات المعضلة التي واجهت سلفه الراحل رئيسي، الذي لم يفلح في مد جسر متين بين لغة السلطة الرسمية والنبض الحقيقي للشارع. أما الجنرال قاليباف، فرغم ترسانته الإعلامية والعلاقات العامة، لا يزال يراوح مكانه في العجز عن التواصل الوجداني المؤثر، إذ أثبتت الذاكرة السياسية والمناظرات أنه يتجلى في اللحظات المصيرية كمجرد “مدير تنفيذي” يتبنى موقفاً دفاعياً، بدلاً من أن يكون الزعيم القادر على تحويل العاطفة العامة إلى إرادة وطنية صلبة. وفي خضم هذا العقم الخطابي، برزت فداحة غياب الشهيد علي لاريجاني، الذي كان يحمل على عاتقه عبئاً ثقيلاً. لقد كان لاريجاني يمتلك طرازاً فريداً من الفهم للغة السياسة والأمن والتاريخ؛ كان قادراً على تفكيك المعقد وتبسيطه، متمسكاً بناصية المنطق، ومترفعاً عن الشعارات البالية. لذا، فإن استشهاده في هذا المنعطف الحرج لم يكن مجرد إزاحة لمسؤول سياسي، بل طمساً لأحد الأصوات النادرة التي كان بمقدورها صياغة لغة عاقلة للحوار بين السلطة والمجتمع والعالم. لكن عجلة التاريخ لا تتوقف لترثي أحداً، وإذا غاب القادرون، بات لزاماً اجتراح طرق تواصل جديدة.

إن دفتر أحوال التاريخ يخبرنا بوضوح أن القادة في أزمنة المحن يخلدون في ذاكرة شعوبهم بـ “كيف تحدثوا” أكثر من “كيف قاتلوا”. ففي الولايات المتحدة، حوّل فرانكلين روزفلت عبر “أحاديث المدفأة” جهاز الراديو إلى أداة سحرية لترميم ثقة الأميركيين خلال الكساد العظيم ثم الحرب العالمية الثانية؛ كان يشرح أعقد السياسات ببساطة، لم يتعالَ على شعبه، بل أشعرهم بأنهم شركاء في المصير. عبارته الخالدة “الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف نفسه” لم تكن بلاغة جوفاء، بل ترياقاً نفسياً لمجتمع يرزح تحت وطأة الانهيار. وفي بريطانيا، لم يبع وينسون تشرشل الوهم لشعبه وهو يقف وحيداً في وجه النازية؛ لم يعدهم برخاء قريب، بل صارحهم بالحقيقة المرة وربطها بإرادة الصمود، فكانت كلماته “سنقاتل على الشواطئ.. ولن نستسلم أبداً” جسراً بين مرارة الواقع والثقة في النصر. كذلك فعل شارل ديغول عام 1940 عبر أثير “بي بي سي” من منفاه، حين أيقظ الروح الفرنسية مؤكداً أن خسارة معركة لا تعني خسارة الحرب، وأن الوطن إرادة تاريخية لا تنتهي بسقوط جيش. وفي سياق مختلف تماماً، أثبت المهاتما غاندي أن التواصل السياسي ليس أوامر عسكرية، بل لغة أخلاقية للمقاومة؛ خاطب ضمائر الناس لا غضبهم، وحوّل مرارة القهر إلى طاقة فعل جماعي، مثبتاً أن الكلمة الصادقة، إذا لامست روح الأمة، تتفوق على ألف قرار إداري.

إن إيران اليوم أحوج ما تكون إلى استيعاب هذا المنطق، ليس عبر الاستنساخ الآلي لتجارب روزفلت أو تشرشل أو غاندي، بل بفهم الجوهر: في قلب العاصفة، يحتاج الناس إلى صوت حقيقي، إنساني، يربط بين وجع اليوم وأمل الغد. هذا المسار التواصلي الجديد يجب ألا يمر حصراً عبر شاشات “التلفزيون الحكومي” بوجوهه المكررة ومفرداته المعتادة.

المطلوب اليوم هو ابتكار شكل جديد لمخاطبة الناس؛ حوارات حية، قصيرة، شفافة في شرح الموقف، تستثمر منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست. المطلوب الدعوة إلى التلاحم دون إخفاء وعورة الطريق. تلك هي مقومات التواصل الحقيقي، وهذا هو السلاح الذي لا يجوز لأي أمة أن تفرط فيه وهي تخوض غمار الحروب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات