الأحد, مايو 10, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل تنتظر طهران القنابل لتغيير عقيدتها الأمنية والنووية؟.. بقلم ياسر مختار

هل تنتظر طهران القنابل لتغيير عقيدتها الأمنية والنووية؟.. بقلم ياسر مختار

سودان تمورو

لعل أكثر ما يثير الاستغراب، بل ويمثل نقطة ضعف جوهرية في السياسة النووية والأمنية الإيرانية خلال العام الأخير، ليس مجرد الإصرار على التمسك بالعقيدة النووية الكلاسيكية، بل الغياب اللافت لأي آلية فعالة للمراجعة الاستراتيجية في مواجهة التحولات الأمنية العاصفة.

قبل اندلاع “حرب الاثني عشر يوماً”، أطلقت بعض الشخصيات السياسية والأمنية الإيرانية البارزة تحذيرات واضحة مفادها أن أي هجوم عسكري على الأراضي الإيرانية قد يدفع طهران نحو تغيير جذري في استراتيجيتها النووية. ورغم ذلك، وبعد انقضاء تلك الحرب، بل وعقب فرض حربين طاحنتين من قبل قوتين نوويتين في غضون أقل من عام، لم نشهد أي تحول يُذكر في العقيدة النووية، ولا تغييراً ذا مغزى في التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية والأمن القومي.

لا يمكن تفسير هذه الحالة من الجمود بالركون فقط إلى الاعتبارات الأيديولوجية، كمسألة “الفتوى” النووية، أو بالتحجج بغياب القدرات المادية. إن المعضلة أعمق من ذلك بكثير، وتضرب بجذورها في صميم بنية صنع القرار في طهران؛ فهذه البنية تبدو أسيرة لإدارة الأزمات تكتيكياً وتلبية الضرورات قصيرة الأجل، بدلاً من التأسيس لتخطيط ومراجعة استراتيجية شاملة. وفي ظل هذا الإطار، تأتي القرارات الكبرى في الغالب كردود أفعال مرحلية تهدف إلى السيطرة على مجريات الأحداث الآنية، دون أن ترتكز على إعادة صياغة للأهداف ومعادلات التوازن بعيدة المدى.

هذا الخلل في هندسة السياسات الاستراتيجية لا يقتصر على الملف النووي وحده، بل ينسحب كنمط متكرر على العديد من دوائر الأمن القومي والسياسة الخارجية الإيرانية؛ بدءاً من كيفية إدارة العلاقات مع القوى الكبرى، وصولاً إلى صياغة المشاريع الاستراتيجية على الصعيدين الإقليمي والدولي. ولهذا السبب تحديداً، نجد أن التفاهمات والوثائق المهمة، كالشراكات الاستراتيجية مع كل من روسيا والصين، لا تُفضي بالضرورة إلى إحداث تغيير في التوازنات الحقيقية أو بلورة توجه جديد، لافتقارها إلى غطاء من إعادة التعريف الاستراتيجي الشامل في أروقة صنع القرار وأجنحة التنفيذ.

في واقع الأمر، عادة ما تمثل الحروب والأزمات الكبرى في مسارات الدول نقطة تحول حاسمة تدفع نحو مراجعة العقيدة الأمنية والسياسة الخارجية. أما في الحالة الإيرانية، فإن هذه التحولات المزلزلة لا تفعل سوى إعادة إنتاج وتكريس الأنماط القديمة ذاتها. ومن هنا، فإن الاستمرار في “القيادة الآلية” للسياسة النووية على نهج العقدين الماضيين، حتى بعد التطورات الباهظة التكلفة التي شهدها العام الأخير، لا يمكن اعتباره دليلاً على الاستقرار الاستراتيجي، بل هو انعكاس صارخ لحالة من الشلل والجمود في منظومة صنع القرار الكلي.

وعليه، فإن الاستمرار في تبني آليات اتخاذ القرار التي سبقت الحربين الأخيرتين لن يعوق فقط أي محاولة لتحديث البنية الأمنية والسياسية للبلاد، بل سيجعل طهران في حالة انتظار دائم لقنابل الخصوم. لقد بات لزاماً على مطبخ القرار الإيراني، في أعقاب هذه التطورات، أن يتخذ خيارات تاريخية حاسمة بشأن ملفات كبرى كالبرنامج النووي، وطبيعة العلاقات مع القوى العظمى، والسياسات الإقليمية. وكما شكلت سنوات الحرب الثمانية (العراقية الإيرانية) نقطة تحول جذري في السياسة الأمنية والخارجية لطهران في الماضي، فإن حربي الـ 12 يوماً والـ 40 يوماً الوجوديتين يجب أن تكونا الصدمة التي تعيد هيكلة وتحديث نظام صنع القرار الأمني والسياسي في البلاد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات