سودان تمورو
حين رعت الولايات المتحدة توقيع “اتفاقيات إبراهيم” بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين، سُوّق لهذا الحدث بآلة إعلامية ضخمة على أنه إنجاز تاريخي غير مسبوق سيجلب السلام الشامل للمنطقة. حينها، تباهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاتفاقيات واعتبرتها “بزوغ فجر جديد في الشرق الأوسط” ونموذجاً مبتكراً لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستعصي، وهو المسار الذي تبنته لاحقاً إدارة جو بايدن، مروجة له كأداة سحرية لتعزيز الاستقرار والرخاء الإقليمي. لكن القراءة المتأنية للواقع، بعيداً عن صخب الشعارات، تكشف لنا صورة مغايرة تماماً، حيث تحولت هذه الاتفاقيات إلى محفز لأزمات أعمق وأعقد.
على أرض الواقع، وعوضاً عن قطف ثمار السلام المزعوم، أفضت هذه المسارات الدبلوماسية إلى تصعيد ملحوظ في وتيرة التوتر والعنف. فقد عملت الاتفاقيات كغطاء لتسريع وتيرة التعاون العسكري والاقتصادي غير المسبوق بين إسرائيل وبعض العواصم الخليجية، مما أدى إلى خلق تنسيق عسكري إقليمي زاد من القدرات المشتركة لإسرائيل وحلفائها الجدد في مواجهة إيران. هذه الهندسة الأمنية الجديدة لم تجلب الاستقرار، بل أسست لبيئة مشحونة مهدت الطريق لاشتعال حربين وتوترات إقليمية واسعة النطاق وضعت المنطقة بأسرها على حافة الهاوية.
أما على الصعيد الفلسطيني، وهو الجرح الغائر في قلب الأمة، فقد كانت التداعيات كارثية ومناقضة تماماً للوعود البراقة. فبدلاً من أن تُعبد الاتفاقيات الطريق نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، شهدنا تصاعداً وحشياً في عنف المستوطنين، وتراجعاً مقلقاً في الدعم المالي العربي لوكالات إغاثة الشعب الفلسطيني. لقد تبددت الأوهام بأن التطبيع سيلجم التوسع الإسرائيلي، حيث فشلت كافة المساعي في كبح خطط ضم أراضي الضفة الغربية، وتم تهميش القضية الفلسطينية بشكل متعمد وإزاحتها عن صدارة الأجندة الإقليمية والدولية؛ وهو التهميش الذي اعتبرته حركة حماس لاحقاً أحد الدوافع المركزية لعملية السابع من أكتوبر.
وفي المحصلة، يثبت التاريخ المعاصر أن “اتفاقيات إبراهيم” لم تكن سوى وصفة لانفجار إقليمي مؤجل. فبدلاً من أن ترسي قواعد الأمن والسلام، دفعت المنطقة بخطى متسارعة نحو أتون الحرب واللااستقرار، ومنحت إسرائيل هيمنة عسكرية مطلقة وغطاءً سياسياً غير مسبوق، في حين نجحت في تحييد الضغط العربي التاريخي الذي كان يُمارس على تل أبيب لإجبارها على إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية. إننا أمام شرق أوسط جديد بالفعل، ولكنه شرق أوسط يُكتب بالدم، لا بحبر معاهدات السلام المزعومة.
