سودان تمورو
في أروقة واشنطن، يسيطر يقين غريب على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ يعتقد -بشهادة خمسة من كبار مسؤوليه ومستشاريه المقربين- أنه يمتلك القدرة السحرية على تسويق أي اتفاق، مهما كان هزيلاً، كأنتصار تاريخي كاسح أمام الرأي العام الأمريكي. ولكن المفارقة الساخرة تكمن في أن الرجل الذي صاغ كتاب “فن الصفقة”، يقف اليوم عاجزاً حتى عن جر طهران إلى طاولة المفاوضات. ولا تزال الإدارة الأمريكية تقف على أطراف أصابعها، في انتظار رد إيراني على مقترحها الأخير، والذي لا يعدو كونه مذكرة تفاهم من صفحة واحدة، تبدو في جوهرها أقرب إلى تمديد هش لوقف إطلاق النار منها إلى معاهدة شاملة تنهي رحى هذه الحرب.
الواقع أن ترامب بات يتوق بصدق لإسدال الستار على الصدام مع إيران، وهو ما يفسر مسارعته المتكررة لإعلان انتصارات وهمية لا رصيد لها على الأرض. وفي مشهد يعكس التخبط، استبدل الرئيس تهديداته الرنانة -التي حملت في طياتها نذير حرب نهاية العالم- بقرارات متتالية لتمديد المهل الزمنية لوقف إطلاق النار. لقد نال الإرهاق من ساكن البيت الأبيض في حرب أثبتت الأيام أنها أكثر تعقيداً، وأشد ضراوة، وأطول أمداً مما صوره له خياله السياسي.
لم يكن في حسبان ترامب يوماً أن تصل الأمور إلى حافة هذا المأزق. فبعد نشوة العملية العسكرية الاستعراضية التي أفضت إلى اختطاف نيكولاس مادورو من كاراكاس، وجه الرئيس الأمريكي أنظاره شطر طهران، مفعماً بثقة مفرطة، ومبشراً دائرته المقربة بأن إيران “لن تكون سوى فنزويلا أخرى”. هذا الاستخفاف، الذي نقله مستشاران من خارج الإدارة طلبا عدم الكشف عن هويتهما لكشف كواليس المطبخ الاستراتيجي، نبع من إيمان ترامب المطلق بأسطورة الجيش الأمريكي الذي لا يُقهر. لقد توهم أن الفرصة قد حانت للإطاحة بالنظام في طهران، محققاً ما عجز عنه أسلافه من الرؤساء، ومزهواً باعتقاده أنه يعيد رسم خريطة العالم بأسره. كان ينتظر نصراً خاطفاً يُنجز في غضون أيام، أو أسبوعين على أقصى تقدير، فإذا به يغوص في رمال شرق أوسطية متحركة لا تعترف بحسابات الغرور.
