سودان تمورو
ضجّت شرفات المنازل في عدد من مناطق البحرين بصوت التكبير، فيما كانت مجموعات من الشبان تتدفّق إلى الأزقة، متفادية الحواجز العسكرية المنتشرة بكثافة. في تلك اللحظات، لم يكن المشهد مجرد تحرك احتجاجي عابر، بل تعبيراً مكثفاً عن غضب يتصاعد في الشارع البحريني منذ بدء الحملة الأمنية الأخيرة.
في كرانة، والسنابس، وعالي، والمالكية، وسترة، والدراز، وغيرها من المناطق، خرجت تظاهرات متفرقة برغم الانتشار الأمني الواسع والإجراءات المشددة التي فرضتها السلطات. وحاول الأهالي كسر الطوق الأمني عبر تحركات مناطقية محدودة، رفعت شعارات رافضة للاعتقالات والتصعيد، ومؤكدة التمسك بالحقوق السياسية والدينية.
وجاءت هذه التحركات في سياق حالة احتقان غير مسبوقة يعيشها الشارع البحريني منذ إقدام السلطات على اعتقال 41 عالم دين، تجاوزت مدة انقطاع الاتصال بهم 72 ساعة، إلى جانب استمرار سياسات يعتبرها معارضون ذات طابع انتقامي، تشمل سحب الجنسيات، والاعتقال، والتضييق، وحتى الترحيل القسري لعائلات كاملة.
وقد ساهمت هذه الإجراءات في تعميق الشعور بالغضب والتوتر، ودفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى التعبير عن رفضها، برغم المخاطر الأمنية.
في موازاة ذلك، تصاعدت المواقف السياسية المنددة، وكان أبرزها بيان لقوى المعارضة، اعتبر أن ما يجري يمثل “انتقالاً من القمع السياسي إلى مرحلة الحرب المفتوحة على الهوية الدينية”. وأشار البيان إلى أن حملة المداهمات التي طالت عشرات العلماء وأساتذة الحوزة وأئمة المساجد “مزّقت ما تبقى من وهم الاستقرار”، معتبراً أنها دليل على فقدان السلطة للشرعية السياسية والشعبية.
كما وصف البيان ما يحدث بأنه “اعتداء على هوية المجتمع”، محذّراً من أن إدخال البلاد في صراع على الهوية يشكّل مقامرة خطيرة بمستقبل البحرين.
ودعت قوى المعارضة الجماهير إلى التعبير عن رفضها بوسائل سلمية، من خلال الحضور في المساجد، والتكبير من المنازل، والمشاركة في التحركات الميدانية، تأكيداً على التضامن مع العلماء ورفض السياسات القائمة.
المشهد العام في البحرين، وفق مراقبين، يعكس تحولاً لافتاً في طبيعة الأزمة. فالتصعيد لم يعد محصوراً في الإطار السياسي، بل امتد إلى المجالين الديني والاجتماعي، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً. إذ إن استهداف الرموز الدينية، بما تمثله من ثقل معنوي لدى المجتمع البحريني، يُنظر إليه كخطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الأمني إلى محاولة إعادة صياغة المجال العام.
وبرغم القيود الأمنية المشددة، فإن استمرار خروج التظاهرات، ولو بشكل متقطع ومحدود، يشير إلى أن حالة الغضب الشعبي ما تزال قائمة، وأن محاولات احتوائها لم تنجح بالكامل.
في المحصلة، يبدو أن ما يجري اليوم يتجاوز كونه أزمة عابرة، ويعكس، بحسب مراقبين، مرحلة مفصلية في العلاقة بين السلطة والمجتمع، يراهن فيها الشارع على صموده وقدرته على التعبير، ولو في أضيق المساحات، فيما يبقى السؤال مفتوحاً: إلى أين يتجه هذا التصعيد، وما الكلفة التي سيدفعها الجميع إذا استمر؟
