شودان تمورو
“أهلاً وسهلاً بكم في بيتكم”.. بهذه العبارة يُستقبل المهاجرون الإيرانيون عند المنافذ الحدودية البرية، فيما يرفرف العلم الإيراني قبل أن تلامس أقدامهم أرض الوطن. ولم يكن مشهد الاستقبال عادياً بالنسبة إلى كثير من العائدين الذين تركوا خلفهم أعمالهم واستثماراتهم وحياتهم المستقرة في بلدان المهجر، وفضّلوا العودة ليكونوا إلى جانب أبناء شعبهم خلال أيام العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران.
ومن الحدود، اتجه كثير من هؤلاء، في اليوم التالي لوصولهم، إلى ساحات الاعتصامات والتجمعات الشعبية، ولا سيما ساحة الثورة في قلب العاصمة طهران، حيث كان حضور المهاجرين لافتاً. بعضهم جرى تكريمه خلال المراسم، فيما أُعطي آخرون الميكروفون للحديث عن تجربتهم بين الغربة والانتماء، وعن امتدادهم في الخارج وجذورهم في الداخل.
وفي حديث للميادين نت، قال رجل في الستين من عمره: “جئت من لوس أنجلوس، وكان أول ما فعلته عند وصولي هو تقبيل تراب وطني”. وقالت امرأة: “انتقلت من أرمينيا إلى جورجيا، ومن جورجيا إلى تركيا، ومن تركيا إلى إيران. وفي البلدان الثلاثة كانوا يسألونني: لماذا لم تهربي؟ ولماذا أردتِ العودة إلى بلدك؟”.
أما امرأة ثانية، عادت من هولندا بعد أكثر من ثلاثة عقود في الخارج، فقالت: “عشت هناك اثنين وثلاثين عاماً، ثم عدت إلى وطني لأنني أحب أرضي”. ثم أخرجت علماً إيرانياً صغيراً من جيبها وقالت: “هذا العلم يرافقني منذ عشر سنوات”.
وقال شاب آخر: “في هذا الوقت تحديداً يجب أن أعود، لأن بلادي في حالة حرب، ومن واجبنا أن نقف إلى جانبها في هذه الظروف الصعبة”. بينما لخّص شاب ثانٍ شعوره قائلاً: “حين تكون في المنفى، تدرك أن لك أُمّاً اسمها الوطن، وعليك أن تحميها”. وتقول شابة عادت بعد اندلاع الحرب بأيام: “لم أكن أظن أنني متعلقة ببلادي إلى هذا الحد. لم أستطع البقاء في المهجر وعدت، فليس هناك مكان يشبه إيران بالنسبة إليّ”.
ومن بين هذه القصص أيضاً، تبرز حكاية مريم خدادادي، التي وصلت إلى إيران قبل شهرين بعد رحلة معقدة وطويلة بدأت من مدينة مونتريال الكندية إلى تورونتو، ثم إلى بولندا، ومنها إلى أرمينيا، قبل أن تتابع طريقها براً بالحافلة نحو إيران بسبب توقف الرحلات الجوية. ثلاثة أيام من التنقل بين المدن والدول، وساعات طويلة من الانتظار وإجراءات السفر والدخول والخروج، كانت الثمن الذي دفعته مريم للوصول إلى بلادها.
لكن رحلة العودة بالنسبة إليها لم تتوقف عند حدود الوصول إلى الوطن. فقد شاركت لأكثر من خمسين ليلة متواصلة في اعتصامات الساحات المستمرة منذ أكثر من شهرين في العاصمة طهران وعدد من المدن والمحافظات.
تعكس هذه الشهادات شعوراً عاماً لدى كثير من العائدين بأن الحرب أعادت إحياء علاقتهم العاطفية والوجدانية بوطنهم، وهو ما ظهر أيضاً في الرحلات الطويلة والشاقة التي خاضها البعض للوصول إلى إيران.
أرقام العودة.. ورسائل الثقة والانتماء
لم تقتصر ظاهرة العودة على المشاهد الإنسانية فقط، بل انعكست أيضاً في الأرقام الرسمية. فبحسب المتحدث باسم الشرطة الإيرانية، العميد سعيد منتظر المهدي، دخل إلى البلاد أكثر من 630 ألف شخص خلال الأيام التي أعقبت اندلاع الحرب.
ورأى المتحدث أن هذا السلوك يعكس ثقة المواطنين بالبنى الدفاعية والأمنية، كما أن عودتهم ساهمت في مواجهة الروايات السلبية عن البلاد، وقدّمت صورة مختلفة عن الواقع داخل إيران.
وأشار إلى أن تجارب دول عديدة أظهرت أن تراجع رأس المال الاجتماعي يؤدي عادة إلى الانهيار النفسي والهجرة الجماعية أثناء الأزمات، إلا أن ما شهدته إيران شكّل مساراً معاكساً وغير مسبوق، معتبراً أن أرقام العائدين تمثل “دليلاً عميقاً على استمرار الرابط بين الشعب والوطن”.
وفي السياق نفسه، قال رئيس السلطة القضائية، الشيخ غلام حسين محسني إيجئي، إن أبواب الوطن مفتوحة أمام الإيرانيين المقيمين في الخارج، حتى أولئك الذين كانت لهم مواقف سلبية من النظام، لكنهم اختاروا اليوم الوقوف إلى جانب بلادهم في مواجهة الأعداء.
الوطن.. ذاكرة وهوية
ويرى باحثون اجتماعيون أن ما جرى لا يمكن قراءته فقط باعتباره حركة تنقل بشرية، بل بوصفه ظاهرة نفسية واجتماعية تكشف طبيعة العلاقة المعقدة بين الإنسان ووطنه. ويقول عالم الاجتماع رضا نصرتي، لـلميادين نت، إن قرار العودة إلى إيران يُعد قراراً كبيراً يرتبط عادة بتحديات اقتصادية واجتماعية وثقافية، إلا أن الدوافع العاطفية والعائلية تلعب فيه دوراً محورياً.
أما الأستاذ الجامعي علي توسلي، فيرى في حديثه لـلميادين نت أن المهاجرين، برغم حياتهم المستقرة في الدول الغربية، شعروا بأن وطنهم يمر بلحظة خطر لا يمكن تجاهلها. وأشار إلى أن الجاليات الإيرانية في الخارج لعبت طوال السنوات الماضية دوراً ثقافياً مهماً في الحفاظ على الهوية الإيرانية، سواء عبر الإعلام أو الأنشطة الاجتماعية والثقافية، وهو ما ساهم في نقل هذا الشعور بالانتماء إلى الأجيال الجديدة أيضاً.
الهجرة العكسية.. الوطن أقوى من الخوف
في العادة، ترتبط الحروب بصور النزوح والفرار والبحث عن الأمان، إلا أن ما شهدته إيران خلال الحرب بدا مختلفاً، إذ تحولت البلاد إلى نموذج لما يسميه باحثون “الهجرة العكسية”، حيث عاد مئات الآلاف من المهاجرين برغم المخاطر والظروف الصعبة.
هذه العودة لم تكن مرتبطة فقط بالسياسة أو الظروف الأمنية، بل كشفت عن معنى أعمق لفكرة الوطن لدى كثير من الإيرانيين، وعن اللحظة التي يصبح فيها الانتماء أقوى من الخوف، وتغدو الغربة أقل قدرة على احتواء الإنسان من بلاده، حتى وهي تعيش ظروف الحرب.
