سودان تمورو:
قال الكاتب الصحفي عثمان ميرغني إن ظاهرة الحركات المسلحة في السودان لم تنشأ بصورة مفاجئة أو معزولة عن الواقع السياسي والاجتماعي، وإنما جاءت نتيجة تراكمات طويلة من الأزمات والتهميش والصراعات المرتبطة بالسلطة والثروة والهوية، مشيرًا إلى أن الفكرة المسلحة تبدأ غالبًا من حالة شعور جماعي بالظلم قبل أن تتحول إلى مشروع منظم يمتلك أدواته وخطابه وأهدافه.
وجاءت هذه التصريحات خلال استضافة عثمان ميرغني في بودكاست “هنا السودان من القاهرة” بجريدة الدستور، حيث تناولت الحلقة جذور الحركات المسلحة في السودان، والعوامل التي تدفع بعض المجتمعات نحو العنف، إضافة إلى تأثير الحروب الممتدة على بنية الدولة والمجتمع السوداني.
الأزمات السياسية والاقتصادية تصنع بيئة خصبة للعنف المسلح
وأوضح ميرغني أن تكوين الحركات المسلحة يمر بمراحل متعددة تبدأ بتشكّل خطاب احتجاجي داخل المجتمعات المتأثرة بالأزمات، ثم يتحول تدريجيًا إلى حالة تعبئة فكرية وسياسية تستقطب الشباب الغاضب أو المهمش، قبل أن تجد هذه المجموعات نفسها أمام خيار حمل السلاح باعتباره وسيلة للضغط أو فرض الوجود السياسي.
وأضاف أن السودان، بحكم تركيبته الجغرافية والقبلية والاقتصادية، ظل بيئة معقدة ساعدت على نمو مثل هذه الحركات، خاصة مع ضعف التنمية في الأطراف، وتراجع مؤسسات الدولة، واتساع الفجوة بين المركز والهامش، الأمر الذي أدى إلى شعور قطاعات واسعة بعدم العدالة في توزيع الموارد والفرص.
وأشار رئيس تحرير صحيفة “التيار” إلى أن بعض الحركات المسلحة بدأت بمطالب سياسية أو تنموية مشروعة، لكنها مع الوقت دخلت في تعقيدات إقليمية ودولية، وأصبحت جزءًا من صراعات النفوذ والمصالح، ما أدى إلى تحول بعضها من حركات احتجاج إلى قوى عسكرية تمتلك اقتصادًا خاصًا وتحالفات عابرة للحدود.
وأكد عثمان ميرغني أن أخطر ما في الأمر ليس فقط ظهور السلاح، بل تشكل “العقلية المسلحة” داخل المجتمع، وهي الحالة التي تجعل العنف وسيلة طبيعية لحل الخلافات السياسية، لافتًا إلى أن استمرار الحروب لفترات طويلة يخلق أجيالًا اعتادت خطاب القوة والانتقام وفقدت الثقة في الحلول المدنية والسياسية.
وشدد على أهمية بناء مشروع وطني شامل يعالج جذور الأزمة السودانية بدل الاكتفاء بالحلول الأمنية والعسكرية، موضحًا أن إنهاء الحروب يتطلب إعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة والتنمية المتوازنة، إلى جانب تعزيز التعليم والإعلام ودور المؤسسات المدنية في مواجهة خطاب الكراهية والتعبئة العنيفة.
كما أشار إلى أن الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة في تفكيك الفكر العنيف، من خلال تقديم خطاب عقلاني يفتح المجال للحوار ويواجه الشائعات والتحريض والانقسامات الاجتماعية، مؤكدًا أن مستقبل السودان لن يُبنى بالبندقية وإنما عبر مشروع وطني جامع يشارك فيه الجميع.
الدستور
