خاص سودان تمورو
يواجه الجيش السوداني (القوات المسلحة السودانية) في عام 2026 لحظة فارقة في تاريخه الحديث، حيث يوازن بين إرث مؤسسي يمتد لعقود وبين واقع ميداني معقد فرضته حرب المدن والتمردات المتعددة.
يعتمد الجيش السوداني في قوته على “الكتلة البشرية” الضخمة والخبرة القتالية الطويلة في حروب العصابات والمناطق الوعرة.
تشير التقديرات لعام 2026 إلى أن عديد القوات المسلحة السودانية (بما في ذلك الاحتياط والقوات المتحالفة من حركات الكفاح المسلح والمتطوعين) يتجاوز 500,000 جندي. هذه القوة البشرية هي الركيزة الأساسية التي مكنته من الحفاظ على السيطرة في الولايات الشمالية والشرقية والوسطى.
شهد عام 2025 و2026 تحولاً جذرياً في العقيدة القتالية للجيش السوداني بالاعتماد المكثف على الطائرات المسيرة (Drones) مثل “صقر” المحلية الصنع ومسيرات “بيرقدار TB2” التركية. هذا السلاح كان له الأثر الأكبر في تحييد تفوق قوات الدعم السريع في التحرك السريع داخل المدن.
يمتلك الجيش ترسانة ضخمة من الدبابات (أكثر من 1000 دبابة من طرازات T-55 إلى T-72 المعدلة محلياً) وراجمات صواريخ تفوق 800 راجمة، مما يمنحه تفوقاً في نيران المدفعية الثقيلة.
ويخوض الجيش السوداني حالياً حرباً على عدة جبهات تختلف في طبيعتها وتكتيكاتها
التحدي الأكبر يتمثل في حرب المدن والانتشار الواسع للمتمردين في الأحياء السكنية (خاصة في دارفور وكردفان والوضع الذى كان سائدا فى الخرطوم الى ان تم اخراج قوات الدعم السريع منها). يعتمد الجيش هنا على تكتيك “النفس الطويل” وحصار خطوط الإمداد، مع تحقيق نجاحات ملحوظة بدأت باستعادة مناطق استراتيجية في أم درمان والخرطوم بحري الى ان تكللت باخراج الدعم السريع من كل العاصمة
في جنوب كردفان، يواجه الجيش وضعاً معقداً حيث تداخلت جبهات القتال. ومع ذلك، نجحت القوات المسلحة في كسر الحصار عن مدينة الدلنج وكادقلي، مما عزز من موقفها الدفاعي والهجومي في تلك المناطق.
التمرد المركب: التحدي يكمن في التنسيق الميداني بين مجموعات متمردة مختلفة، لكن الجيش استطاع استقطاب “القوة المشتركة” (حركات مسلحة سابقة) لتقاتل جنباً إلى جنب معه، مما وفر له تغطية جغرافية واسعة في إقليم دارفور.
وعادت التوترات الحدودية لتتصدر المشهد في مايو 2026، خاصة في مناطق الحدود مع ولاية النيل الازرق
واتهم السودان إثيوبيا مؤخراً بتسهيل هجمات بمسيرات استهدفت مطار الخرطوم ومواقع استراتيجية.
رد الفعل العسكري كان سريعاً بتعزيز التواجد في ولايتي القضارف والنيل الأزرق ونشر منظومات دفاع جوي متطورة على الحدود الشرقية، مما يعكس جاهزية الجيش لتأمين السيادة الوطنية رغم انشغاله بالحرب الداخلية.
التصنيف الذي وضع الجيش السوداني في المرتبة التاسعة عربيا والرابع والسبعين عالميا لعام 2026 يعتمد على معادلات رياضية (PowerIndex) تأخذ في الاعتبار:
الاستدامة المالية: يعاني السودان من تدهور اقتصادي حاد، وهو ما يخفض ترتيبه في معيار “الإنفاق العسكري”.
التكنولوجيا الدفاعية: مقارنة بجيوش الخليج أو مصر، لا يزال الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة (الأقمار الصناعية، الحرب الإلكترونية) في بداياته.
الجغرافيا السياسية: يتم خصم نقاط بسبب “النزاعات الداخلية” التي تستنزف الموارد.
لكن، هل يعكس هذا التصنيف الحقيقة الميدانية؟
غالباً ما تفشل هذه التصنيفات في قياس “الإرادة القتالية” و”الخبرة في الأرض”. فالجيش السوداني مصنف كواحد من أكثر الجيوش خبرة في أفريقيا في حرب المدن والعصابات، وهو ما لا تظهره جداول البيانات.
هل يطمئن الشعب السوداني لمقدرات جيشه؟
الإجابة تكمن في ثلاثة عوامل ظهرت بوضوح:
التفاف شعبي: ظهور “المقاومة الشعبية” التي تساند الجيش أظهرت أن المؤسسة العسكرية لا تزال تمثل رمزية الدولة والوحدة الوطنية للسودانيين.
التصنيع الحربي: استطاع السودان الحفاظ على كفاءة “منظومة الصناعات الدفاعية” التي توفر الذخائر والأسلحة الخفيفة والمتوسطة محلياً، مما يقلل الارتهان للخارج في وقت الأزمات.
التحول النوعي: قدرة الجيش على الانتقال من وضعية الدفاع (في بداية تمرد 2023) إلى الهجوم واستعادة المبادرة في 2025/2026 تؤكد وجود قيادة وسيطرة فعالة.
خلاصة القول: الجيش السوداني في 2026 ليس مجرد أرقام في جدول عالمي، بل هو “عمود فقري” لدولة تقاوم التفكك. فرغم التحديات الاقتصادية واللوجستية، أثبتت المعارك الأخيرة في كردفان والخرطوم أن المؤسسة العسكرية تمتلك من المرونة والقوة ما يؤهلها لحماية كيان الدولة، وإن كان الثمن البشري والمادي للحرب لا يزال باهظاً.
