خاص سودان تمورو
يُعد تخريج دفعات “المقاومة الشعبية” في إقليم دارفور، وبحضور قيادات رفيعة مثل حاكم الإقليم مني أركو مناوي، تحولاً استراتيجياً في مسار الحرب السودانية. هذا المشهد يضعنا أمام معادلة أمنية معقدة: هل نحن أمام “نموذج شعبي” لحماية الدولة، أم أمام “قنبلة موقوتة” قد تنفجر في وجه الاستقرار مستقبلاً؟
ويمثل انخراط القوى المدنية تحت لواء “المقاومة الشعبية” في عام 2026 ذروة التعبئة الوطنية لمواجهة خطر تفكك الدولة. وبينما يراه العسكريون “ضرورة حتمية”، يراه المحللون السياسيون “مخاطرة محسوبة”.
أولاً: تعزيز قوة الجيش (المكاسب الاستراتيجية القصيرة والمتوسطة)
الشرعية الشعبية والغطاء الأخلاقي: يمنح وجود مدنيين مسلحين يقاتلون بجانب الجيش صبغة “الحرب الوجودية” للدولة، مما يرفع الروح المعنوية للجنود ويؤكد أن المؤسسة العسكرية ليست معزولة عن حاضنتها الاجتماعية.
سد الفجوة في “تأمين المناطق المستعادة”: إحدى أكبر معضلات الجيوش النظامية هي “مسك الأرض” بعد تحريرها. هنا تلعب المقاومة الشعبية دوراً حيوياً في تأمين الأحياء والقرى، مما يفرغ القوات الخاصة والوحدات القتالية التابعة للجيش للتقدم في جبهات جديدة.
المعرفة الجغرافية والاستخباراتية: في إقليم معقد مثل دارفور، يمتلك أبناء المناطق قدرة فائقة على كشف تحركات “قوات الدعم السريع” وطرق إمدادها، مما يوفر للجيش “عيوناً” ميدانية لا توفرها خرائط الأقمار الصناعية وحدها.
توازن القوى الميداني: في ظل اعتماد التمرد على حشود قبلية، جاءت المقاومة الشعبية لتعيد التوازن الميداني، خاصة في مناطق الفاشر وشمال دارفور، مما حال دون سقوط كامل الإقليم.
ثانياً: التحديات الأمنية والسياسية (المخاطر على المدى الطويل)
رغم المكاسب الميدانية، يثير هذا التسلح واسع النطاق مخاوف جدية تتعلق بمستقبل الدولة:
معضلة “الدمج والتسريح” (DDR): بعد انتهاء العمليات العسكرية، سيواجه السودان تحدياً هائلاً في كيفية جمع السلاح من آلاف المدنيين. تاريخ النزاعات في أفريقيا يشير إلى أن “استعادة السلاح” أصعب بكثير من “توزيعه”.
خطر “الملشنة” والولاءات الفرعية: قد تتحول هذه المجموعات بمرور الوقت إلى “مليشيات” تدين بالولاء لقيادات محلية أو قبلية بدلاً من القيادة العامة للجيش، مما قد يؤدي إلى صراعات بينية (بين رفاق السلاح أنفسهم) على الموارد أو السلطة المحلية.
الانتقام والانتهاكات: يفتقر المدنيون المتطوعون إلى التدريب العسكري الصارم على “قانون العقوبات العسكري” وقواعد الاشتباك الدولية، مما قد يؤدي إلى حدوث انتهاكات حقوقية ضد المكونات الاجتماعية المحسوبة على التمرد، وهو ما يغذي دائرة “الحرب الأهلية الشاملة”.
إضعاف احتكار الدولة للعنف: إن انتشار السلاح خارج الأطر النظامية، حتى وإن كان بدعم من الدولة، يضعف هيبة المؤسسة العسكرية على المدى البعيد ويجعل “الرصاصة” هي وسيلة التعبير السياسي الأقوى.
ثالثاً: قراءة في مشهد دارفور (حضور مناوي ودلالاته)
ظهور حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، في منصات تخريج هذه القوات، يعطي رسالة مزدوجة:
داخلياً: هو تأكيد على التحالف الوثيق بين “حركات الكفاح المسلح” والجيش السوداني، وتحويل هذا التحالف من “نخبوي” إلى “قاعدة جماهيرية”.
خارجياً: هي رسالة للمجتمع الدولي بأن الشعب في دارفور قد قرر الدفاع عن نفسه ضد الانتهاكات، مما يسحب البساط من ادعاءات التمرد بتمثيل المهمشين.
كيف نصل لبر الأمان؟
لكي تتحول “المقاومة الشعبية” إلى عنصر قوة دائم دون أن تصبح عبئاً أمنياً، يجب على الدولة السودانية اتباع استراتيجية “الاحتواء المؤسسي”:
يجب أن تكون هذه القوات تحت إمرة عسكرية مباشرة (نظام نمر عسكرية وتدرج قيادي واضح).
ضرورة وضع جدول زمني قانوني لمستقبل هؤلاء المقاتلين (إما الدمج الكامل في الجيش والشرطة لمن تنطبق عليه الشروط، أو العودة للحياة المدنية ضمن برامج تعويضية طموحة).
ان المقاومة الشعبية هي “دواء مر” استوجبته الحالة المرضية للدولة السودانية ؛ فإذا تم ضبط الجرعة بوعي قانوني ومؤسسي، ستكون هي صمام الأمان لاستعادة الدولة، أما إذا تُرِكت دون ضوابط، فقد تتحول إلى مرض جديد ينهك جسد الوطن لسنوات قادمة.
