سودان تمورو:
حين أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عجزها عن جمع طرفَي الحرب السودانية على طاولة واحدة، وحين دوّت الانفجارات قرب مطار الخرطوم الدولي في الخامس من مايو 2026، لم تكن هذه مجرد تطوّرات متفرقة، بل إشارات متقاطعة تعيد تشكيل حوافز الفاعلين الرئيسيين في الصراع السوداني في ضوء ضغط خارجي بلا أفق تفاوضي يجمد الانشقاقات داخل معسكر الجيش مؤقتاً، لكنه يراكم في الوقت ذاته شروط حروب ما بعد النصر. وفي هذا السياق، تتصاعد أهمية الدور المصري بوصفه المتغير الإقليمي الأكثر قدرةً على التأثير في مسارات الأزمة.
ويمكن رصد مفارقة حادة في قلب المشهد السوداني الراهن، وهى أنه كلما ازداد الضغط الخارجي على أطراف الصراع، كلما تماسكت التحالفات الظرفية داخل معسكر الجيش السوداني وحلفائه، لا بحكم مشروع سياسي جامع، بل بحكم منطق البقاء والمصلحة الآنية. وحين أكد المستشار الرئاسي الأمريكي للشئون العربية والأفريقية مسعد بولس، وأيده وزير الخارجية ماركو روبيو، أن واشنطن لا تملك القدرة على جمع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع معاً في مفاوضات مباشرة، وأن مبادرة مؤتمر برلين هي آخر المبادرات، فإن هذا الإقرار لم يكن اعترافاً بالعجز الدبلوماسي وحسب، بل إعادة رسم عملية لخريطة الحوافز الداخلية لدى الفاعلين جميعاً.
وعلى هذا الخيط الرفيع الفاصل بين التنسيق الظرفي والانشقاق المؤجل، تتأرجح السودان اليوم. والأشد خطورة في هذا المشهد أنه لا يقترب من نهاية قريبة للحرب، فالجيش يتقدم ميدانياً في محاور عدة، لكن تقدمه العسكري لا يترجَم تلقائياً إلى تسوية سياسية، فيما يحكم الدعم السريع قبضته على مناطق شاسعة من دارفور وأجزاء من كردفان، مستنداً إلى شبكات تمويل وتسليح إقليمية لم تنقطع كلياً. وبين هذين القطبين، يقف حلفاء الجيش من حركات مسلحة وتيار إسلامي في موقف المراقب الحذر، يَزِنون حجم استثمارهم في الحرب مقابل أثمان ما بعدها.
في هذا السياق، فإن تفاصيل المشهد العسكري تفصح عن انخراط ثلاثة أطراف الي جانب الجيش السوداني متباينة في المصالح والأهداف، وإن توحدت في عدائها للدعم السريع. الطرف الأول هو الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020، ومنها حركة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وهما حركتان دارفوريتان دخلتا التحالف وهما تحملان في جيبيهما اتفاقاً يعلو في نظرهما على أي ترتيب دستوري مستقبلي، مطالبتَين بضمانات واضحة في الحوكمة والموارد والتمثيل العسكري في ما بعد الحرب.
والطرف الثاني هو التيار الإسلامي بشبكاته داخل مؤسسات الدولة وتشكيلاته التعبوية التي عادت للظهور بقوة منذ اندلاع الحرب، مراهناً على أن المعركة العسكرية هي بوابة استعادة نفوذ سياسي فقده منذ ثورة ديسمبر 2019. غير أن مسار العقوبات الأمريكية المتتالية على قيادات هذا التيار باتت تقيّد حركته على المستوى الإقليمي، وتضيّق هامش مناورته الاقتصادية والدبلوماسية، بما يجعل أي تطبيع خليجي أو غربي مع الخرطوم تهديداً مباشراً لمشروع إعادة تموضعه لا مكسباً مشتركاً.
أما الطرف الثالث فهو الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة مالك عقار، التي تواصل تمددها العسكري في ولاية النيل الأزرق باتجاه الدمازين، وتجمعها بالجيش شراكة ميدانية نشطة، لكنها تحمل في طياتها حساسيات بالغة تتعلق بمصير مناطق جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ومدى استعداد الجيش لتقاسم السلطة في مرحلة ما بعد النزاع.
هذا الثلاثي مجتمعاً يُنتج بنية تحالفية يجمعها العدو المشترك لا البرنامج السياسي الواحد. فالمؤسسة العسكرية السودانية تميل تاريخياً إلى الشراكات الوظيفية لا الهيكلية، أي تلك التي تعيد إنتاج مركزية القرار بمجرد استعادة التوازن، ثم تهمّش الحلفاء إلى الأطراف، وهو بالضبط ما دفع الفصائل الدارفورية إلى المطالبة بإعلاء اتفاق جوبا على الوثيقة الدستورية للمرحلة الانتقالية منذ توقيعه، خشية من تكرار تجارب الاستيعاب غير الناجحة التي عرفتها قوى سودانية مسلحة في مراحل سابقة.
ضربة المطار وإعادة تأطير الصراع
في مساء الخامس من مايو 2026، دوت انفجارات قرب مطار الخرطوم الدولي الذي كان قد استقبل قبل أيام قليلة أولى رحلاته الدولية منذ ثلاث سنوات، في لحظة رمزية كانت تعلن استئناف ربط العاصمة بالعالم. نسب الجيش السوداني الهجوم إلى إثيوبيا، في سياق توتر ثنائي متراكم منذ أن تمركزت القوات السودانية في منطقة الفشقة المتنازع عليها نهاية عام 2020، وما أعقب ذلك من اتهامات إثيوبية للجيش السوداني بدعم قوات إقليم تيغراي، في مقابل اتهامات سودانية لأديس أبابا بدعم جماعات مسلحة في الجنوب ضمن معادلة إقليمية بالغة التشابك.
هذه الضربة أدّت وظيفة غير مقصودة لصالح تماسك معسكر الجيش: فالتهديد الخارجي يُعلِّق الانشقاق الداخلي مؤقتاً، لأن كل طرف يدرك أن الانسحاب من التحالف في لحظة الضغط يعني خسارة كل ما استثمره من دماء وموارد وورقة تفاوضية. والحركات المسلحة التي نشأت في مناطق حدودية كالنيل الأزرق وجنوب كردفان تتشارك مع الجيش مصلحة مباشرة في صون السيادة الإقليمية، بل إن أي تقاعس عسكري في مواجهة الهجوم الإثيوبي سيؤدي إلى تآكل مصداقية الجيش أمام حلفائه قبل خصومه. بيد أن لهذه الضربة وجهاً آخر في معادلة الجيش مع قوات الدعم السريع: فانشغال الجيش بجبهة إقليمية موازية يخفف الضغط العسكري على الدعم السريع في بعض المحاور.
وعلى نحو موازٍ، أفرز الإعلان الأمريكي بعدم القدرة على جمع الطرفين تحولاً عميقاً في النموذج الدبلوماسي المعتمد للوساطة من نموذج “جدة” القائم على الضغط المتوازن على طرفَي الصراع معاً، إلى نموذج مؤتمر برلين الذي يضفي شرعية ضمنية على الجيش السوداني بوصفه المُحاوِر الرئيسي للمجتمع الدولي، فيما تبقى قوات الدعم السريع خارج أي إطار تفاوضي رسمي.
هذا التحوّل له وجهان متناقضان في آنٍ واحد: فمن جهة، يعزز موقف الجيش أمام حلفائه الداخليين، إذ بات يملك غطاءً دولياً يسبغ شرعية على مساره، ومن جهة أخرى، يزيل الضغط الخارجي الذي كان يشد هؤلاء الحلفاء نحو التنسيق تحت سقف واحد. وحين تتراجع حدة الضغط الخارجي، يبدأ كل طرف في حساب ما ينبغي أن يحصل عليه قبل توقف المعارك لا بعدها، وتتحوّل التحالفات الوظيفية إلى سوق مفاوضات داخلية يصعب ضبط نتائجها.
يضاف إلى ذلك أن تصريحات بولس وروبيو تحمل رسالةً غير معلنة لقوات الدعم السريع مفادها أن مسار التسوية المدعومة أمريكياً مغلق في وجهها، مما يبقي جذوة الصراع مشتعلة حتى في ظل الإنهاك العسكري المتراكم لدى الطرفين. وهذا بالضبط ما يرجّح أن الحرب ستمتد دون آفاق تسوية واضحة، وأن مناطق الاحتكاك العسكري مثل كردفان ستظل بؤراً مشتعلة تغذي دوامة العنف وتعيد إنتاجها.
الموقف المصري في ضوء تقديرات استمرار الحرب
حين تُقرأ هذه المعطيات مجتمعة: استمرار الحرب دون أفق تفاوضي، وتحول النموذج الدبلوماسي الأمريكي، وهشاشة التحالفات الداخلية لمعسكر الجيش، والتوتر الإقليمي المتصاعد مع إثيوبيا، من هنا يغدو الدور المصري المتغير الإقليمي الأكثر إلحاحاً وقدرة في الوقت ذاته، فالقاهرة تملك ثلاث أوراق غير مملوكة لقوى أقليمية أخرى، هي القدرة العسكرية، والعمق الجغرافي، فضلاً عن ورقة اللاجئين المتواجدين على أراضيها. ويبدو أن هذه الأوراق تستلزم تفعيلاً في المرحلة المقبلة في ضوء استمرار الحرب السودانية وإمكان تفتت الدولة السودانية فضلاً عن حالة الفراغ السياسي الراهن، حيث تشكل جميعها تهديدات لمصالح مصرية جوهرية.
وفي هذا السياق، يبدو في الأفق أن هناك فرصة للدبلوماسية المصرية، خصوصاً وأن القاهرة تملك مساحات توافق أساسية مع الرياض، ولعل ذلك من شأنه خلق مساحات التفاهم العربية تقوم على عدد من النقاط منها صياغة معادلات ما بعد الحرب أي طبيعة الأطراف السياسية المشاركة في هذه المعادلات وأيضاً التوافق على أوزان الحلفاء الميدانيين للجيش بما يجعل الاستقرار السياسي والحفاظ على دولة السودان ممكناً وقادراً على تلبية المصالح الخليجية والمصرية بشكلٍ عام، ذلك أن انتصاراً عسكرياً للجيش دون تسوية سياسية تعالج جذور الأزمة الهيكلية في السودان سيفضي إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار السوداني تهدد الأمن المصري من الجنوب، وطبقاً لذلك فإن التوافق الإقليمي لمعادلات ما بعد الحرب عبر التفاهم مع أبوظبي قد يكون مخرجاً لكل الأطراف السودانية والإقليمية مجتمعة.
إجمالاً، فإن معطيات استمرار الحرب السودانية تستدعي من مصر الانتقال من الشراكة الوظيفية مع الجيش إلى رعاية عملية سياسية أوسع تشرك فيها الحركات المسلحة الحليفة في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، وتقدّم للمجتمع الدولي رؤية متكاملة لتسوية دستورية تعيد رسم العلاقة بين المركز والأطراف، وتوظّف ثقلها في الرباعية الدولية لتحويل مؤتمر برلين من محطة دبلوماسية إلى إطار تفاوضي حقيقي.
أماني الطويل
الأهرام
