سودان تمورو:
تتداول الأوساط الإعلامية اليوم تسريبات حول الرد الأمريكي على المقترحات الإيرانية، وهو رد تضمن خمسة شروط تبدو في ظاهرها وباطنها بالغة التعنت. تنص هذه الشروط على عدم دفع واشنطن لأي تعويضات عن الخسائر، ونقل 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني إلى الولايات المتحدة، والاكتفاء بالإبقاء على منشأة نووية إيرانية واحدة فقط قيد التشغيل، مع رفض الإفراج حتى عن 25% من الأصول الإيرانية المجمدة، وربط وقف التصعيد والعمليات العسكرية في كافة الساحات بالجلوس فوراً على طاولة المفاوضات.
وبغض النظر عن مدى دقة هذه التسريبات أو صحتها، فإنها تعكس بدقة طبيعة السقف السياسي للمطالب التي تسربت عن واشنطن خلال الأسابيع الماضية؛ فحواها أن أمريكا لا تريد تقديم أي تنازلات تذكر، بل تسعى للاستحواذ على كل شيء دون مقابل. إنها بلا شك مطالب مجحفة لا يمكن طرحها أو فرضها حتى على دولة تجرعت كأس الهزيمة، فما بالك بدولة أثبتت تفوقها وخرجت منتصرة في الميدان. وهنا يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على المشهد: بم تفكر الإدارة الأمريكية تحديداً؟ كيف لدولة خاضت حرباً غير متكافئة مدعومة بأكثر من ثلاثين حليفاً، وفشلت في إسقاط النظام الإيراني، وفقدت سيطرتها على مضيق هرمز، وشهدت خروج أكثر من عشرين من قواعدها عن الخدمة، وفقدت هيبتها العالمية، أن ترفع سقف مطالبها إلى هذا الحد المبالغ فيه؟
لتفكيك هذه المفارقة الصارخة، يمكننا طرح عدة فرضيات. قد يتبادر إلى الذهن أولاً أن الأمريكيين يتوهمون أنهم الطرف المنتصر، وهو أمر يجافي العقل والمنطق؛ فهم يدركون جيداً في دوائر صنع القرار الإستراتيجي أنهم تعرضوا لانتكاسة كبرى، ويكفي تراجع سقف طموحاتهم من مشروع “تدمير إيران” إلى مجرد محاولة فتح مضيق هرمز كدليل دامغ على هذا التراجع. وثمة فرضية أخرى تشير إلى محاولة واشنطن العبث بالحسابات الإستراتيجية لصناع القرار في طهران والإيحاء بأنهم في موقف ضعف، وهو رهان خاسر أيضاً؛ إذ لا يمكن لبضع تسريبات إخبارية مصطنعة أن تغير قناعات وحسابات دولة يرى العالم أجمع أنها حققت انتصاراً ملموساً. أما الفرضية الثالثة، فتفترض أن واشنطن تراهن على هشاشة الوضع الداخلي الإيراني وتتوقع انهياراً وشيكاً، متجاهلة أن طهران تدرك تماماً قوة موقفها العسكري الميداني، وأن أزماتها الاقتصادية ترتبط في جوهرها بآليات الإدارة الداخلية أكثر من كونها نتاجاً مباشراً لضغوط واشنطن.
ووسط كل هذه الاحتمالات، تبرز الفرضية الرابعة كالتفسير الأوقع والأكثر منطقية؛ وهي أن العقل الإستراتيجي الأمريكي ينظر إلى هذا الصراع من منظور “المعادلة الصفرية”. لقد أدركت واشنطن، بعد ثلاثة عقود من المواجهة المستمرة، أن الخيارات أمامها باتت محدودة للغاية: إما تحييد إيران بالكامل وإخراجها من معادلة التأثير، أو التسليم ببروزها كقوة كبرى متنفذة تتجاوز هذا المخاض، ولا مكان هنا لحلول وسطى. في الرؤية الأمريكية، تقف إيران اليوم على عتبة قفزة إستراتيجية هائلة، وأي تنازل أمريكي، مهما كان ضئيلاً، سيكون بمثابة شرارة الانطلاق لتحرير هذه القفزة. ولهذا السبب تحديداً، تعجز واشنطن عن تقديم أي امتيازات، حتى لو اضطرها ذلك إلى طرح شروط غير منطقية تتحدى أبجديات التفاوض السياسي.
وفي التحليل الأخير، ندرك أن الولايات المتحدة لم تدخل في هذه المواجهة المفتوحة إلا لأنها رأت إيران تقترب بخطى حثيثة من تجاوز خطوطها الحمراء. واليوم، لا تنظر واشنطن إلى أي تنازل محتمل كونه مجرد مرونة تكتيكية في لعبة الدبلوماسية، بل تعتبره إقراراً رسمياً وقسرياً بصعود إيران كقوة جديدة ومؤثرة تفرض قواعدها في توازنات النظام العالمي الجديد.
