الثلاثاء, مايو 19, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيشفشفة،، يوسف الغوث

شفشفة،، يوسف الغوث

سودان تمورو

في خضم التحولات الدرامية التي يعيشها السودان اليوم، حيث الحرب تمزق النسيج الاجتماعي وتخضع كل شيء لقانون الفوضى، برزت على لسان العامة كلمة الشفشفة لتعبر بدقة متناهية عن لحظة الانهيار والفكاهة السوداء،،والوضع المتأزم..

إن العامية السودانية التي كانت دائماً وعاءً فورياً وحميمياً للتعبير عن الهوية والانفعالات والمواقف اليومية، أثبتت مرة أخرى قدرتها الفائقة على المناورة والابتكار، متفوقة في كثير من الأحيان على الفصحى في رصد التفاصيل الصغيرة التي تشكل نسيج الوجود الإنساني، فالشفشفة ليست مجرد كلمة عابرة في قاموس عامي، بل هي نافذة صغيرة مضيئة تطل على ثقافة السودان الشعبية وتاريخ علاقته المتأزمة بالملكية والعدالة ، وهي تحمل في طياتها إيحاءات بالجفاف والتشقق والتفتت، فالفعل شفشف يدل على الجفاف الشديد الذي يؤدي إلى التكسر، ومن هنا انتقلت الكلمة دلالياً إلى وصف عملية النهب السريع الجاف، الذي لا يتم بدهاء أو تروٍ، بل بعنف وجفاء، وكأن السارق يجفف المكان و الشخص مما يملك، وهذا يختلف جذرياً عن نماذج السرقة القديمة التي عبّرت عنها العامية السودانية بكلمات مثل (كدكة) التي كانت تشير إلى اللص الماكر الذي يدور حول المكان ببطء وتؤدة تمهيداً للانقضاض عليه ، فان كانت كلمة كدكة تحتفظ بنوع من الأدب في السرقة،وذلك باستخدام اللص لبعض الحيل والدهاء في سرقته فإن الشفشفة تعني الاختلاس بلا مقدمات، والنهب بلا مواربة وعلي مرأى ومسمع الجميع ، وكأن السارق لم يعد يحتاج حتى إلى إخفاء هويته، بل ينهب أمام عينيك وفي منتصف النهار وأمام الجميع وأنت عاجز ولا حولا ولا قوة لك …

لم تكن كلمة شفشفة بهذا الحضور الطاغي في الخطاب السوداني اليومي قبل حرب أبريل 2023، فالحرب التي عمت الخرطوم وامتدت إلى ولايات أخرى، وأدت إلى إنهيار كامل لمؤسسات الدولة والأمن، أسقطت الأقنعة عن كثير من ظواهر النهب التي كانت تحدث خلف الكواليس، فأصبح النهب المنظم للمنازل والمتاجر والمؤسسات الحكومية والمنظمات الإغاثية، يتم وعلي مرأى ومسمع الجميع مع انتشار مكثف للمليشيات والتي بدورها تقوم بعمليات الخطف والنهب والشفشفة وكل ما تراه،،و أمام مرأى الجميع،..

لقد تحولت الشفشفة من كلمة هامشية ترد في سياق وصف الجفاف إلى مصطلح سياسي واجتماعي يعبر عن نهب الحرب بعد أن أوقفت الحرب ،،شكل الحياة العادية وصار النهب وسيلة للبقاء والاستحواذ،

لقد تمت عمليات شفشفة منظمة خاصة بالدولة حينما شفشفت مؤسسات كالبنك المركزي والمصانع والمطارات، أما عن الشفشفة اليومية في طوابير الخبز والماء والوقود فحدث ولا حرج،،حتي بات السوداني يقول( شفشفوني) وهي شكوى تختلف جذرياً عن (كدكني) فالأخيرة تحمل ألماً ممزوجاً بدهشة الإعجاب بحيلة السارق، أما كلمة شفشفوني فتحمل إحساساً بالخذلان والفضح والانهيار، وكأن السارق لم يعد يحتاج حتى إلى إخفاء هويته،

واذا كانت العامية السودانية قد أنتجت في الماضي كلمة كدكة لتعبر عن نمط سرقة كان يتم بخفة واختفاء سريع وليس بعنف، فإن الشفشفة اليوم تعبر عن نمط مختلف تماماً، نمط يعكس تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في بلد يعيش أزمة وجودية

، ففي السودان اليوم، حيث مزقت الحرب كل شيء، أصبحت الشفشفة هي القاعدة لا الاستثناء،

أما على المستوى السياسي ،،فنشهد شفشفة الدولة من قبل حرامية كبار لم يعودوا يحتاجون إلى الالتفاف أو التمويه، بل نهبوا مؤسسات الدولة ومقدرات الشعب بنهم جاف وسريع، وكأنهم في سباق مع الانهيار الكامل،

وعلى المستوى الاقتصادي نشهد شفشفة العملة وقوت الناس عبر تضخم جارف وأسعار تفقد معناها قبل أن تُنطق، فما كنت تشتريه بالأمس بمبلغ ألف جنيه،، تحتاج اليوم لمائة ألف لشرائه ، وكأن قيمة الجنيه تتشفشف وتتبخر،

وفي المستوى الاجتماعي نشهد شفشفة العلاقات الإنسانية والثقة بين الناس، فلم يعد الجار يأمن جاره، ولم تعد العائلة تضمن بعضها في بلد ضاعت فيه معاني التكافل والسند،

إن هذه التحولات الجذرية ،في مجتمعنا السوداني تجعل الشفشفة أداة تعبيرية مركبة تحمل وصفاً مصغراً للفعل والمكان والزمان وحتى المزاج الشعبي تجاه الظاهرة، فالمجتمع السوداني الذي يعاني اليوم من انهيار شامل أبدع في انتاج هذه الكلمة لتناسب طبيعة الأزمة التي تمر بها البلاد، حيث لم يعد هناك وقت للدهاء أو المراوغة، بل أصبح النهب مكشوفاً ووقحاً وجافاً، تماماً مثل الشفة المتشققة في عز القيظ….

ان الجميل في قدرة العامية على الاشتقاق أنها تعطي المتحدث مرونة كبيرة في التعبير عن حالات مختلفة دون حاجة إلى جمل طويلة، فمن شفشفة نشتق شفشف الفعل الماضي، ويُشفشف المضارع، والشفشاف أو الشفشافين للدلالة على أولئك الذين يمارسون هذا النوع من الاستيلاء السريع والجاف، وهذه الميزة تجعل الدارجة لغة عملية وسريعة في التواصل اليومي، خصوصاً في زمن الحرب والأزمات حيث يحتاج الناس إلى إيصال رسائل تحذيرية أو ساخرة في ثوان معدودة، فكلمة واحدة مثل شفشفة قد تغني عن جملة كاملة مفادها( هذا شخص ينهب الممتلكات بجفاء ووقاحة، )وأيضاً فإن قدرة كلمة الشفشفة على تعزيز الانتماء والتماسك الاجتماعي لا تخفى، فالشخص الذي يفهم هذه الكلمة ويستخدمها في سياقها الصحيح يعتبر نفسه من أبناء البيئة ويشعر بأنه يمتلك مفتاح الدخول إلى عوالمها الخفية، ولهذا السبب تجد أن المغتربين السودانيين في المهجر قد يتمسكون بهذه المفردة أكثر من المقيمين أنفسهم لأنها تمثل حلقة وصل إلى الذاكرة الجمعية والطفولة والشارع والحارة في زمن تفككت فيه كل الروابط، وفي خضم هذه الشفشفة الرهيبة، يلجأ السوداني إلى سلاحه الأبدي،،والمتمثل في الفكاهة السوداوية، فتسمع في المجالس والأسواق ووسائل التواصل عبارات مثل (الدنيا شفشفة،) و(شفشفوني يا ناس)، وكأن المجتمع بأكمله يمارس نوعاً من المقاومة اللغوية ضد الخراب، محولاً ألمه اليومي إلى نكتة مريرة تساعده على تجاوز اللحظة.

إذا أمعنا النظر في كلمة شفشفة نجد أنها ليست مجرد مرادف عامي لكلمة نهب أو سرقة، بل هي وثيقة حية لدرجة الألم، ومقياس لتآكل القيم، وسجل شعبي لانتصار الفوضى، نلاحظ ذلك في الفرق الكبير بين كلمة كدكة في الزمن الماضي وكلمة شفشفة في زمن الحرب،

فكلمة كدكة ازدهرت في فترات استقر فيها شكل السرقة والنشل في الأزقة والأسواق، وكان اللص يدرك أنه يفعل شيئاً ممنوعاً فيحاول إخفاءه ثم يمارس طقوساً من المراوغة والخفة، أما الشفشفة فتنتمي لعصر انهيار الدولة ، حيث غاب القانون وأصبح النهب مؤسسة بموازاة المؤسسات، وصار الإنسان فريسة سهلة لقطاع طرق لا يعرفون أخلاق المهنة التي كان يتحلى بها الكدكة القديم، وهكذا تحكي العامية السودانية قصة أمة انتقلت من حرامي ذكي يدور حولك ببطء إلى نهب جاف لا يتصنع اللياقة، ومن كدكني الموجعة إلى شفشفوني المدمرة، وكأن الكلمات نفسها أصبحت أخف وزناً وأكثر جفافاً، ومرآة لحياة يبدو أنها تفقد ربيعها وتألقها، لتحل محلها قسوة الانتظار في طوابير الخبز، ومرارة السعي وراء لقمة لا تضمنها،

ان ما يفعله السوداني اليوم بنشر كلمة شفشفة هو توثيق صادق للحظة انهيار كبرى بلغته الحميمية، فالعامية هنا ليست مجرد ألفاظ دارجة، بل هي وعاء حقيقي للروح اليومية للأمة، وإذا كنا نحتفي بالفصحى ونعمل على نشرها، فعلينا ألا ننسى أن حماية العامية أيضاً حماية للهوية، لأنها تسجل الألم كما تسجل الفرح، وتخلد لحظات السقوط كما تخلد لحظات الصمود، والشفشفة اليوم هي عنوان هذه المرحلة السودانية،

ورغم انها كلمة قاسية وجافة،، لكنها صادقة، لا تخفي شيئاً ولا تجمل واقعاً، تماماً مثل شفاه متشققة في صحراء لا تنتهي…

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات