سودان تمورو
في سياق المسار التفاوضي “المباشر” الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان و”إسرائيل”، تمّ الإعلان عن إطلاق مسار أمني بين الطرفين، على أن يُعقد اجتماع عسكري في 29 أيار/مايو في مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بمشاركة وفود من الجيشين اللبناني والإسرائيلي، بإشراف أميركي مباشر.
وفي هذا الإطار، جاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لتحدد بوضوح الرؤية الأميركية لهذا المسار، إذ قال في مقابلة تلفزيونية إن الحل يكمن في:
“إنشاء نظام فعّال تكون فيه وحدات مُدقَّقة (vetted units) داخل الجيش اللبناني تمتلك التدريب والمعدات والقدرة على ملاحقة عناصر حزب الله وتفكيكهم، بحيث لا تضطر إسرائيل للقيام بذلك”.
إن طرح الاتفاق الأمني، والدعوات الأميركية السابقة إلى قيام الجيش اللبناني بقتال حزب الله (منهم على سبيل المثال لا الحصر توم برّاك وليندسي غراهام) ثم طرح روبيو انتقاء وحدات محددة داخله، وتأهيلها للقيام بوظيفة قتالية داخلية محددة، يؤشر إلى مسار خطير جداً على لبنان.
أولاً: سوابق التجربة الأميركية
إن المقاربة التي يطرحها روبيو لا تُعدّ جديدة في السياسة الأميركية. لطالما اعتمد الأميركيون على نمط قائم على تدريب وتسليح قوى محلية مختارة “ومراجعة” لتنفيذ أهداف استراتيجية، ولتجنّب الانخراط المباشر للقوات الأميركية.
طُبّقت هذه المقاربة العسكرية في عدد من الساحات، أبرزها سوريا والعراق.
في سوريا، أطلقت الولايات المتحدة برنامجاً سرياً عبر وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) عُرف باسم Timber Sycamore بين عامي 2012 و2017، وهدف إلى دعم مجموعات “مختارة ومراجعة” من المعارضة المسلحة من خلال التمويل والتسليح والتدريب بهدف قتال الجيش السوري.
وبالفعل، حصل التدريب في دول مجاورة مثل تركيا والأردن. لاحقاً، أنشأت وزارة الدفاع الأميركية برنامجاً بعنوان Train and Equip لتدريب مجموعات محددة وإرسالها لاحقاً إلى الداخل السوري.
غير أن هذه البرامج واجهت إخفاقات بنيوية، أبرزها محدودية عدد العناصر المدربة، إضافة إلى تفكك تلك الوحدات أو انتقالها إلى تنظيمات أخرى بعد عودتها من التدريب، وانتقال السلاح إلى فصائل أخرى.
في العراق، بعد عام 2003، اعتمدت الولايات المتحدة نموذجاً مشابهاً داخل إطار الدولة، حيث قامت بتدريب وتجهيز وحدات نخبوية مختارة داخل الجيش العراقي. كان الأبرز جهاز مكافحة الإرهاب، الذي خضع لتدريب أميركي مباشر وتولّى مهام نوعية في مواجهة التنظيمات المسلحة، خصوصاً “القاعدة” و”داعش”.
المختلف في التجربة العراقية عن اللبنانية، أن الهدف كان قتال المجموعات “الإرهابية” وليس مواجهة قوى داخلية منخرطة في النظام السياسي والمجتمعي والعمل المقاوم ضد الاحتلال كما في لبنان.
وعلى الرغم من تحقيق هذه الوحدات نتائج ميدانية ملحوظة (ضد الإرهاب)، إلا أن التجربة أدّت إلى خلق تمايز داخل المؤسسة العسكرية. استُخدم الجهاز كقوات مشاة تقليدية لاقتحام المدن ما أدى إلى خسارة أعداد هائلة من عناصره المدربة. كما وُجهت إلى الجهاز اتهامات بالتسييس والفساد والطائفية، واستخدامه كـ”قوات خاصة” لملاحقة الخصوم السياسيين، كما رصدت منظمات حقوقية قيامه باعتقالات عشوائية بناءً على شبهات غير دقيقة، أو مسيّسة.
ثانياً: المخاطر على الجيش اللبناني
في ضوء هذه السوابق، فإن تطبيق نموذج مماثل داخل الجيش اللبناني يطرح مجموعة من المخاطر البنيوية التي تمس جوهر المؤسسة العسكرية.
– المساس بوحدة القيادة
إن إنشاء وحدات ترتبط بالتدريب والتسليح بجهة خارجية يفضي إلى ازدواجية في القرار العسكري، ما يهدد مبدأ وحدة القيادة الذي يشكل الركيزة الأساسية لأي مؤسسة عسكرية.
– خلق تمايز داخل المؤسسة
تمييز وحدات محددة من حيث الإمكانات والتمويل يؤدي إلى نشوء “طبقية عسكرية” داخل الجيش، بما ينعكس سلباً على التماسك والانضباط الداخلي، خاصة في ظل نقص التمويل الذي يعانيه الجيش اللبناني.
– خطر التسييس
في بيئة لبنانية قائمة على التوازنات السياسية والطائفية، إن اختيار وحدات وفق معايير خارجية سيؤدي إلى اصطفاف سياسي داخل المؤسسة العسكرية، ما يهدد طابعها الوطني الجامع. وقد يشهد الجيش تفككاً يشبه تفككه في الحرب الأهلية.
– فقدان السيطرة العملياتية
مع الوقت، قد تكتسب هذه الوحدات مستوى من الاستقلالية نتيجة التدريب والعقيدة الخاصة بها، ما يؤدي إلى تراجع قدرة القيادة المركزية على ضبطها بشكل كامل.
في الخلاصة، إن تكليف وحدات من الجيش اللبناني بمواجهة جهة داخلية يعني عملياً تحويل الجيش إلى طرف في النزاع الداخلي. مع العلم أن الخطورة الأكبر تتجلى في نقل الصراع من قتال خارجي مع “إسرائيل” الى الداخل اللبناني لتحقيق أهداف “إسرائيل” في نزع سلاح حزب الله، وهو أمر يحتاجه الإسرائيلي بعد غرق جنوده في الجنوب اللبناني، حيث يتم اصطياد قواته عبر المسيرات والكمائن التي ينصبها له حزب الله.
أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
