الأربعاء, مايو 20, 2026
الرئيسيةمقالات الرأييقظة راعي الغنم وغفلة رعاة الوطن؛ ماذا يفعل الإسرائيلي في صحراء العراق؟...

يقظة راعي الغنم وغفلة رعاة الوطن؛ ماذا يفعل الإسرائيلي في صحراء العراق؟ محمد جرادات

سودان تمورو

تقول الحكاية الشعبية إن الراعي سالم كان يعيش في أحد الأودية القريبة من الحدود الأردنية قديماً، لم يكن جندياً ولا فارساً مشهوراً، بل كان يقضي أيامه بين التلال يرعى الغنم ويعرف تفاصيل الأرض أكثر من أي أحد، يقطع الممرات الضيقة ومواضع المياه، ويتتبع أصوات الليل الطبيعية، وحتى متى يكون الصمت “غير طبيعي”.

وفي إحدى الليالي الشتوية، وبينما كان القمر محجوباً بالغيوم، لاحظ سالم أشخاصاً يتحركون بحذر في ممر جبلي لا يسلكه أهل المنطقة عادة، أدرك أن الأمر ليس عابراً، كان يستطيع أن يقول “أنا مجرد راعٍ، ما شأني بالأمر؟” لكنه ترك غنمه في مكان آمن، وركض عبر الوادي البارد حتى وصل إلى القرية قبل الفجر، طرق أبواب الحراس وأخبرهم بما رأى، فسارعوا لإغلاق الممرات، واستعد أهل القرية فتراجع المهاجمون قبل أن تقع الكارثة، وفي الصباح، وقف شيخ القرية أمام الناس وقال “الأسوار لا تحمي الأوطان وحدها، بل تحميها أيضاً عيون الساهرين عليها، ولو كانوا رعاة غنم”.

كان ذلك في التراث الشعبي، فماذا عن الحاضر الواقعي العراقي؟ ونحن بين يدي الراعي عوض الشمري الذي دفع حياته ثمن يقظته وسط مطاردة من طائرة مروحية، هل كان الأمر يستحق منه هذه التضحية؟ وماذا عن حراس القرية الكبيرة “مهد الحضارة القديمة” بحسب وصف البابا غداة زيارته التاريخية للعراق، وقد اعتبر هذه الحضارة “أرض الأنبياء” وكلهم قد رعوا الغنم فـ”ما من نبيّ إلا وقد رعى الغنم” بحسب قول خاتم الأنبياء، وقد قيل له وأنت يا رسول الله؟ فأجاب “نعم كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهلِ مكةَ”.

كان الراعي عوض الشمري بين أغنامه، يجول صحراء النخيب غرب العراق قرب الحدود السعودية، وعندما اكتشف وجود قاعدة عسكرية سرية أجنبية، تبين لاحقاً أنها إسرائيلية وأن هناك قاعدة أخرى، بادر بإخبار الجهات الأمنية العراقية، لكنه وجد لاحقاً مقتولاً قرب مركبته المحترقة، وقد قيل إن طائرة مروحية ظلت تطارده حتى قتلته، والغريب أنه وصل للجهات الأمنية وأبلغها فكيف قتل بعدها؟ وما حقيقة الفارق الزمني بين هذا الإبلاغ وبين استطلاع قوة أمنية عراقية للمنطقة وتعرضها لإطلاق النار ومقتل أحد أفرادها وإصابة آخرين؟

أسئلة كثيرة ما زال يتم طرحها، والغريب أن الصحافة الأميركية والألمانية والغربية، هي التي تبادر لطرح هكذا أسئلة، فيما يتم تناول الأمر داخل البرلمان العراقي تحت طيّ الكتمان، ولم تصدر سوى تعقيبات خجولة من هنا وهناك، ولم يتصدر هذا الأمر الإعلام العراقي الرسمي إلا بعض الوسائل المحسوبة على المقاومة العراقية، خاصة أن المشهد يكتنفه الغموض في عمق الصحراء، وهو يصب في عين العمل الاستخباري الإسرائيلي، في ظل نهاية مأساوية، ليس فقط للراعي الشاهد والشهيد، ولكن لرمزية الاستقلال العراقي وسيادته الوطنية.

تصدرت فصائل المقاومة العراقية مشهد الدفاع عن الأمة، وهي تجسد وحدة الساحات في إسناد غزة غداة حرب الإبادة، وهو ما تطور بشكل لافت في مواجهة العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، بحيث واظبت هذه المقاومة على استهدف القواعد الأميركية في المنطقة الخضراء كما في كردستان العراق، بما فيها السفارة والقنصلية الأميركيتين، وكانت أقوى ضربات هذه المقاومة إسقاط طائرة أميركية عملاقة متخصصة بتزويد الطائرات الأميركية بالوقود في الجو، ما أسفر عن مقتل كامل طاقمها المكون من ستة أفراد.

عكست المشاركة العراقية في وحدة الجبهات في ظل الدعم الرسمي العراقي، واقعاً ثورياً ونهوضاً شعبياً يعبر عن الدور العراقي الطليعي والتاريخي، خاصة بعد تصاعد العدوان الأميركي داخل العراق بحق مقرات الحشد الشعبي، ولكن ظل هناك على الدوام ما يعكر صفو هذا النهوض ويؤخر طلائعية هذا الدور، في عراق يعاني من اختراق أميركي في عمق سيادته الوطنية، فما هي أبرز مظاهر هذا الاختراق؟

أولاً: سيطرة الشركات الأميركية على معظم قطاع الكهرباء، وبعض قطاعات البنية التحتية المتصلة بالطاقة والغاز والمياه منذ عام 2003، ما يكرس ضعف الخدمات الحيوية للحكومة ويعزز الفساد.

ثانياً: ضعف الإرادة السياسية العراقية الرسمية في ظل السطوة الأميركية، وليس أدل على ذلك من تدخل الرئيس الأميركي ترامب بشكل صريح، في منع الزعيم العراقي نوري المالكي من تكليف البرلمان له برئاسة الحكومة، على الرغم من أن كتلته تصدرت نتائج انتخابات البرلمان.

ثالثاً: استباحة الطائرات الأميركية لسماء العراق بشكل دائم، رغم أن هذه الطائرات تقصف مقرات عراقية هي جزء طبيعي من الجيش العراقي الرسمي، ولكن ذلك لا يؤثر في العلاقات الثابتة بين المؤسسات السياسية والأمنية العراقية والأميركية.

رابعاً: الحضور الإسرائيلي في كردستان العراق تحت مظلة الحضور الأميركي، من دون أن يؤثر ذلك في التحركات العسكرية الأميركية في كل المناطق العراقية، بل ومشاركة قطاعات أميركية للجيش العراقي في بعض قواعده العسكرية بشكل مشترك.

هذه المظاهر للاختراق الأميركي للعراق، شكلت مشهدية متكاملة لاختراق إسرائيلي لا يبدو مفاجئاً، على الرغم من تبعاته الخطيرة في واقع ومستقبل العراق، خاصة أن الحديث يدور عن قاعدة حيوية متقدمة في عمق العراق، وأن “إسرائيل” استخدمتها لمدة 12 يوماً في العدوان على إيران العام الماضي، وأيضا جرى استخدامها بداية حرب رمضان الماضية حتى اكتشفها الراعي العراقي.

يجرّم القانون العراقي التطبيع مع “إسرائيل” ولو بكلمة، فكيف يكون الحال مع وجود قواعد لها في كردستان العراق منذ زمن بعيد، ويتبين أنها نجحت وسط الحرب في إقامة واستخدام قواعد عسكرية واستخبارية في الأنبار ليس بعيداً عن وسط الدولة ومركزها السياسي وثقلها الشعبي حيث حواضنها المعادية “لإسرائيل”؟!

يطلق هذا الخرق الإسرائيلي لعمق العراق رسائل في كل الاتجاهات وأهمها:

1- خطر الوجود الأميركي في العراق، باعتباره خطراً وجودياً بحق العراق وحكومته ومقاومته وجيرانه، خاصة أنه لم يعد ثمة فرق بين الأميركي والإسرائيلي بأدنى حال.

2- هشاشة الداخل العراقي في ظل تمدد إسرائيلي من كردستان حتى الأنبار، ما يطرح سؤالاً كبيراً على الحكومة والمقاومة على السواء.

3- مدى الوقاحة الإسرائيلية بما يشير إلى جدية المشروع الإسرائيلي الذي تحدث عنه نتنياهو وتبعه فيه السفير الأميركي هكابي، حول رؤية “إسرائيل” من النيل حتى الفرات، فهل هذه القواعد السرية مقدمة لفرض واقع إسرائيلي شبيه بما يجري في جنوب سوريا توطئة لتعبيد ممر داوود الذي يحلم به نتنياهو؟

4- حق إيران في خلق واقع لها داخل العراق، وليس فقط عبر الاستهداف البعيد لقواعد الأعداء، لأن الوقاحة الإسرائيلية في ظل الغفلة العراقية تدفع ثمنها إيران وسط عدوان إسرائيلي مرشح للاستئناف في أي لحظة.

يشكل هذا التموضع الإسرائيلي السري غرب العراق، حتى على فرض زواله بعد افتضاحه، فرصة للمقاومة العراقية خاصة عندما تسندها حكومة اختارتها حواضن هذه المقاومة، بتحويل أي وقاحة إسرائيلية مستقبلاً، وهي واردة جداً، في فرض معادلة تثمر ما يشبه كمين الأنصارية في جنوب لبنان 1997، حيث تحولت محاولات التسلل الإسرائيلية إلى كمين عكسي أورث انكفاءً إسرائيلياً لزمن بعيد عبر يقظة ميدانية لا يتحرك فيها الراعي وحيداً ليترك أغنامه فريسة للذئب.

باحث فلسطيني

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات