سودان تمورو:
في عالم تُكتب قواعده في عواصم الغرب، وتُصاغ قراراته في أروقة واشنطن، لا تكفي القوة وحدها لمواجهة العاصفة. فالنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، بمؤسساته ومعاهداته وآليات التصويت في الأمم المتحدة، ليس سوى انعكاس لإرادة الصانع الغربي. دول كثيرة إما تذعن لهذا النظام خوفاً أو طمعاً، وأخرى تخشى عقابه، فتسير في الركب صاغرة. وهكذا، يمكن للأقوياء أن يرتكبوا ما شاؤوا – من اختطاف رؤساء إلى اغتيال قادة إلى غزو بلدان – دون أن يتحرك الماء الراكد.
في هذا الملعب المصمم هندسياً لمصلحة القطب الواحد وأتباعه، كان محكوماً على أي قوة مناوئة أن تُسحق إن راهنت على المنطق الصدامي التقليدي وحده. دروس التاريخ قريبة: الاتحاد السوفييتي الذي انهار من الداخل تحت وطأة المؤسسات والحصار الغربي، وروسيا اليوم التي تئن في أوكرانيا وهي تصطدم بذات الشبكة القانونية والاقتصادية التي أحكم الغرب نسجها. وها هو وزير الخارجية الأمريكي روبيو يعلن، دون وجل، عن إعداد قطيعة أممية بالتعاون مع البحرين، جمعت أكثر من مئة دولة، في إشارة إلى أن القرار الدولي ما زال في الجيب الغربي.
لكن في الشرق الأوسط، وعلى مدى عقدين، كتبت إيران رواية مختلفة. رواية لم ترفض ممارسة القوة، لكنها أدركت أن القوة دون دهاءٍ كالسيف في يد أعمى. وما فعله صانع القرار في طهران يشبه إلى حد بعيد لعبة شطرنج على رقعة العدو نفسه، حيث البيدق يتحول إلى ملك في اللحظة الحاسمة.
القصة الأكثر بلاغة هي الملف النووي. قبل عشرين عاماً، وقفت إيران عند تخوم التخصيب بنسبة 1% بعدد محدود من أجهزة الطرد المركزي البدائية، وكان المطلب الغربي واضحاً: وقف كامل لكل الأنشطة. فماذا فعل الإيرانيون؟ دخلوا في ماراثون تفاوضي لا نهائي، استخدموا فيه طاولة الحوار كستار دخاني، بينما كانت المختبرات تعمل بصمت لتطوير أجهزة طرد مركزي حتى الجيل التاسع (IR9). خرجت إيران من تلك الحقبة وقد اكتملت لديها دورة الوقود النووي، وأصبحت دولة على العتبة النووية، بينما كان الخصم لا يزال يدور في حلقة مفرغة من المحادثات. الثعلب الإيراني تظاهر بالجمود على الرقعة، لكنه كان يحرك قطعه تحت الطاولة. هذا النمط تكرر في علوم الصواريخ والطائرات المسيرة والصناعات السيبرانية، حيث تتقدم طهران خطوة تلو الأخرى دون أن تترك بصمات واضحة تغضب الوحش النائم.
في التصعيد الأخير الذي امتد زهاء أربعين يوماً، لم تكن صواريخ إيران وحدها في الميدان. أدركت طهران أن هزيمة أمريكا ليست مسألة قوة نارية خالصة، ففتحت جبهات أخرى من الصراع: السيطرة المدروسة على أسواق الطاقة لزعزعة الاستقرار الاقتصادي للخصم، وتوجيه الرأي العام العالمي ضد واشنطن عبر صور الضحايا ومشاهد الدمار. حينها، شعر الأمريكيون أنهم في مأزق حقيقي، فلجأوا فوراً إلى أدواتهم المصنوعة مسبقاً: القانون الدولي، الدعوة إلى التفاوض، المساعي الحميدة للوسطاء، والقرارات الأممية. لم تكن هذه دعوة إلى سلام حقيقي، بل كانت محاولة لرمي الكرة في الملعب الإيراني مرة أخرى، وإخراج واشنطن من زاوية الضغط.
وهنا تجلت البراعة الإيرانية من جديد. لم ترفض طهران التفاوض، بل قبلته، ولكن وفق شروطها هي لا شروط واشنطن. كان الهدف من وراء هذا القبول ألا تُصوَّر إيران للعالم على أنها الطرف الذي يحتجز الاقتصاد العالمي رهينة، فتخسر تعاطفاً شعبياً دولياً كانت قد بدأت تكسبه. الطرفان يعرفان جيداً أن تفجيرات الميدان ودماء الضحايا لا تُحل على طاولة المفاوضات؛ فأمريكا لا تسعى إلى حل جذري، وإيران لا تؤمن بأن التناقضات الاستراتيجية يمكن أن تذوب في كؤوس الدبلوماسية.
غير أن إدارة الصراع مع خصم يملك مفاتيح النظام الدولي، ويتحكم في إيقاعه، تقتضي ما يشبه فن الشطرنج الرفيع: أن تستخدم كل قطعة في توقيتها المناسب، وأن تضحي ببعضها أحياناً للإيقاع بالملك في كمين «كش ملك» مؤجل. هذا هو جوهر المشهد التفاوضي المحموم هذه الأيام، حيث تتصاعد وتيرة الوساطات الدولية وتتسرب «عروض أمريكية جديدة» تبدو وكأنها تستجيب للمطالب الإيرانية لكن في أطر عامة وفضفاضة تحتاج إلى شهور من النقاش.
التفسير الأكثر واقعية لهذا الحراك ليس رغبة أمريكية في السلام، بل هو إدراك واشنطن أنها ليست جاهزة للجولة التالية من المواجهة. الانتخابات الداخلية في أمريكا وإسرائيل، والنواقص العملياتية التي كشفتها الجولات السابقة، كلها تفرض فترة تهدئة مؤقتة تُجمِّل بالحديث عن الدبلوماسية. الخطة إذن واضحة: جر إيران إلى متاهة تفاوضية تستنزف الوقت، حتى تمر الانتخابات وتُستكمل التجهيزات العسكرية، ثم يكون الفصل التالي من المواجهة على إيقاع جديد.
نحن كمصريين ندرك جيداً أن القوى الكبرى لا تتورع عن استخدام القانون والقرار الدولي كأدوات للضغط، وقد خبرت بلادنا دهاليز هذه اللعبة منذ عقود. لكن ما يثير التأمل حقاً هو كيف استطاعت إيران أن تقلب الطاولة على صانعيها، وأن تلعب الشطرنج في رقعة العدو ذاته، مستخدمة قواعد اللعبة التي وضعها هو، ولكنها أعادت كتابة الاستراتيجية بما يخدم أهدافها. قد لا يكون «كش ملك» النهائي قد حل بعد، لكن المؤكد أن منافساً بهذا القدر من الذكاء والمكر لن يكون صيداً سهلاً لإمبراطورية تعودت أن تلتهم خصومها على مائدة الأمم المتحدة.
