الأحد, مايو 24, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحرب إيران ككاشف للأزمة الأميركية .. ليلى نقولا

حرب إيران ككاشف للأزمة الأميركية .. ليلى نقولا

سودان تمورو

أعادت استقالة مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية تولسي غابارد تسليط الضوء على حالة الانقسام المتزايد داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصاً أنها تأتي بعد سلسلة استقالات وإقالات طاولت مواقع حساسة في الإدارة والأجهزة الأمنية والعسكرية.

أفرزت الحرب مع إيران خلافات جوهرية داخل الإدارة الأميركية حول تقييم التهديد الإيراني وحدود استخدام القوة، وبالتالي تحوّلت إلى نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل العلاقات داخل النظام السياسي الأميركي، وإعادة توجيه مسار السياسة الأميركية في الداخل والخارج.

في الداخل الأميركي
شهدت الإدارة استقالات عدة، كما قام وزير الدفاع بيت هيغسيث بإقالة عدد من الضباط في الجيش الأميركي، أبرزهم رئيس أركان الجيش. وأشارت العديد من التقارير الأميركية إلى أن هذه الإقالات جاءت نتيجة خلافات حول إدارة الحرب مع إيران، خاصة في ما يتعلق بإمكانية الانخراط في عمليات برية أو توسيع نطاق المواجهة. كما تشير بعض التقارير إلى سعي ترامب لضمان قيادة عسكرية منسجمة مع رؤيته وتوجهاته.

أما داخل الحزب الجمهوري، فقد تعمّق الانقسام السابق بين جمهور “أميركا أولاً” واليمين التقليدي التدخلي داخل الحزب، أي “المحافظين الجدد”. كما برز تيار داخل قاعدة ترامب يرى أن “إسرائيل” قد جرّت الأميركيين إلى حرب ليست في مصلحتهم. كذلك، تزامن ارتفاع أسعار الطاقة مع تعثر الحسم العسكري في المواجهة مع إيران، ما أدى إلى ارتفاع نسبة المعارضين لتلك الحرب، وانخفاض شعبية ترامب إلى مستويات متدنية.

وعليه، سيشكّل التصويت في الانتخابات الأميركية النصفية استفتاءً على الخيارات الأميركية بين تيارين: الأول يدعو إلى الهيمنة الليبرالية التدخلية، والثاني يدعو الولايات المتحدة إلى تقليص الانخراط العسكري واستخدام أسلوب الموازنة من الخارج (عن بُعد).

وبالتالي، فإن نتائج تلك الانتخابات ستحدد الاتجاه الذي ستتبنّاه الولايات المتحدة في إدارة علاقاتها الدولية، خصوصاً في الفترة المتبقية من ولاية ترامب: هل تستمر في استخدام القوة العسكرية كأداة مركزية لإعادة هندسة النظام، أم تنتقل نحو نموذج أكثر انتقائية يركز على إدارة التنافس وتخفيف الانخراط المباشر؟

على الصعيد الدولي
إن ما يجعل هذه الانتخابات الأميركية النصفية مفصلية هو أن نتائجها لن تقتصر على السياسة الداخلية، بل ستنعكس مباشرة على شكل النظام الدولي في المرحلة المقبلة. فإذا أعادت الانتخابات إنتاج غالبية داخلية تؤيد دوراً تدخلياً كالذي يقوم به ترامب حالياً، فإن ذلك يعني استمرار نمط المواجهات المفتوحة وإعادة تكريس منطق الهيمنة.

أما إذا أدت إلى تقليص عدد مؤيدي التدخلات العسكرية في الكونغرس القادم، فإنها قد تدفع الولايات المتحدة نحو ضبط سلوكها التدخلي، مع السعي إلى إعادة تشكيل النظام الدولي ضمن حدود أكثر واقعية.

وهكذا، تأتي الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران لتشكّل لحظة اختبار حقيقية للقوة الأميركية وقدرتها على التدخل حيثما شاءت ومتى شاءت. إلا أن الكلفة الاستراتيجية الأكبر لهذه الحرب قد تتمثل في تآكل نسبي في قوة الردع الأميركية، إذ استطاعت دولة إقليمية تخضع لعقوبات مستمرة منذ عقود استنزاف القوة الأعظم في العالم.

وقد تسهم هذه الحرب في تسريع التحوّلات القائمة أصلاً في ميزان القوى العالمي، وقد تفرض قيوداً إضافية على قدرة الولايات المتحدة على الانخراط المفتوح في النزاعات، خصوصاً بعدما ارتفعت الكلفة السياسية والاقتصادية للحرب على الداخل الأميركي.

وبناءً على ما سبق، يتضح أن الحرب على إيران تحوّلت إلى نقطة تقاطع بين مسارين في الولايات المتحدة: الأول، أزمة داخلية كشفت عن انقسامات بنيوية عميقة في النظام السياسي الأميركي. والثاني، تحوّل دولي أوسع يعيد طرح سؤال القيادة العالمية والنظام الدولي الذي يتم تشكيله.

ومن هذا التقاطع، تتشكل المعركة الحقيقية حول أي نظام دولي ستسعى الولايات المتحدة إلى تثبيته خلال فترة ترامب المتبقية، وأي أدوات ستعتمد لتحقيق ذلك في ظل ضغوط داخلية متزايدة وبيئة دولية متغيرة.

 

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات