سودان تمورو:
شكلت التسريبات الأخيرة حول اقتراب واشنطن وطهران من توقيع مذكرة تفاهم أولية مفاجأة من العيار الثقيل في دوائر صنع القرار بكلا العاصمتين، لتطرح سيلاً من التساؤلات المشروعة حول مستقبل الصراع الدائر بين البلدين. وتأتي هذه التطورات بعد ثلاثة أشهر من انسداد الأفق الدبلوماسي وانهيار محاولات التسوية إثر تشبث كل طرف بشروطه، في وقت تتعالى فيه أصوات الجمهوريين في العاصمة واشنطن بانتقادات لاذعة لأي تقارب قد يمهد الطريق لتسوية نهائية مع طهران. وأمام هذا المشهد الضبابي، تتوارى النوايا الحقيقية للرئيس الأميركي دونالد ترامپ خلف ثلاثة مسارات محتملة تحكمها براغماتية اللحظة وضغوط الداخل.
يتجلى المسار الأول في مسعى أميركي محموم لـ “شراء الوقت”، إذ يشكل الهاجس الانتخابي، وتحديداً انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل، الكابوس الأكبر الذي يؤرق الإدارة الحالية. فإن نجح ترامپ في تبريد جبهة الصراع وإدارة الأزمة بما يحول دون انفلات الأسعار وتجنب الركود الاقتصادي، فإنه سيعزز بلا شك من حظوظ حزبه، ليعود لاحقاً إلى المواجهة بأريحية سياسية أكبر. وفي هذا السياق، تبدو مذكرة التفاهم والمفاوضات الممتدة لـ 60 يوماً مجرد تكتيك مرحلي لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وتهدئة الأسواق المذعورة، لا سيما مع اقتراب استضافة الولايات المتحدة لبطولة كأس العالم، حيث لا يحتمل ترامپ أي ضربة لصورته عبر أزمة تضخم حادة. وقد يترافق ذلك مع تخفيف تكتيكي للحصار، والسماح ببيع النفط الإيراني للصين، لتقليص دوافع طهران لإغلاق المضيق، مع استمرار الضغط الدبلوماسي.
أما المسار الثاني، فيعكس تكتيك “الانتظار حتى الانهيار”. فوفقاً لتصريحات ترامپ الأخيرة عبر منصته “تروث سوشيال” وشاشات “فوكس نيوز”، فإن الحصار البحري سيستمر حتى الرضوخ الإيراني التام. وتقوم هذه المقاربة على تقديم فتات من الامتيازات الاقتصادية -كالإفراج عن نزر يسير من الأصول المجمدة أو حتى الامتناع عن ذلك- مقابل تراجع إيران عن تقييد حركة الملاحة في المضيق، مع إبقاء خنق الاقتصاد الإيراني قائماً أملاً في انهياره خلال شهرين. غير أن هذا الرهان يصطدم بصخرة الواقع، إذ من المستبعد تماماً أن تقبل طهران بمعادلة “فتح المضيق مقابل استمرار الحصار”، مما يهدد بوأد المذكرة قبل ولادتها.
وعلى الجانب الآخر، يبرز المسار الثالث الذي يرجح رغبة ترامپ الفعلية في التوصل إلى “تسوية”. فالاستنزاف الحاصل في المخزون الإستراتيجي للأسلحة، والتهديد الجدي بإغلاق مضيق هرمز حتى موعد الانتخابات، فضلاً عن ضغوط الوسطاء وتسلل اليأس للإدارة الأميركية من تحقيق أهدافها القصوى؛ كلها عوامل قد تجبر ساكن البيت الأبيض على الانحناء أمام المطالب الإيرانية. وتتواتر التقارير التي تشير إلى حالة من “الإرهاق” أصابت ترامپ من الملف الإيراني ورغبته في طيه للتفرغ لملفات أخرى. وما الهجوم الشرس الذي يشنه صقور الحزب الجمهوري على أنباء المذكرة إلا مؤشر قوي على أن واشنطن ربما تكون على أعتاب تقديم تنازلات جوهرية لطهران، أو ربما الاكتفاء بتسوية جزئية تضمن فتح المضيق مع تجميد الملف النووي إلى أجل غير مسمى.
في المحصلة، يبدو أن ترامپ يقف على مفترق طرق، يتأرجح بين سراب “التسوية” ومناورة “تقطيع الوقت”، محاولاً تطويع المذكرة كأداة لإدارة الأزمة لا حلها. وسواء اختار شراء الوقت لتمرير الانتخابات بسلام، أو المراهنة على استنزاف طهران، أو حتى الرضوخ لاتفاق محدود، فإن فاتورة كل خيار تبدو باهظة. وفي المقابل، تدرك طهران جيداً قواعد اللعبة ولن ترضى بأن تكون مجرد ورقة في البازار الانتخابي الأميركي، في وقت يقف فيه اللوبي الإسرائيلي وحلفاؤه من الجمهوريين بالمرصاد لإجهاض أي محاولة أميركية للتراجع خطوة إلى الوراء في مضمار المواجهة المفتوحة.
