سودان تمورو:
في السودان، لا تبدو الأسماء مجرد وسيلة تعريف عابرة، بل تتحول أحياناً إلى خرائط اجتماعية كاملة، تحمل آثار الجغرافيا، واللهجات، والهجرات القديمة، والطرق الصوفية، وثقافة الرعي والحرب.
وفي بلد يعد من أكثر بلدان إفريقيا تنوعاً، إثنيا، ولغوياً، اكتسبت أسماء قادة الحرب والألقاب المتداولة بينهم دلالات إضافية، جعلتها مادة للتأويل الشعبي والسياسي، بل وأحياناً، مدخلاً لفهم الخلفيات الاجتماعية للقوى المتصارعة.
فالسودان، الذي يتحدث سكانه أكثر من 114 لغة محلية وما يزيد على 500 لهجة، ويضم أكثر من 570 قبيلة تنتمي إلى نحو 57 مجموعة إثنية رئيسية، ظل طوال تاريخه الحديث يواجه معضلة إدارة هذا التنوع الهائل داخل دولة مركزية واجهت العديد من الاضطرابات السياسية.
في بلد يعد من أكثر بلدان إفريقيا تنوعاً، إثنيا، ولغوياً، اكتسبت أسماء قادة الحرب والألقاب المتداولة بينهم دلالات إضافية
ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في منتصف أبريل/ نيسان 2023، خرجت إلى واجهة المشهد أسماء وألقاب لقيادات ميدانية أثارت فضول القارئ العربي، ليس فقط بسبب أدوار أصحابها في المعارك، بل بسبب غرابة بعض هذه الأسماء، وما تحمله من إيحاءات مناطقية وثقافية.
خلال شهور الحرب، أصبحت أسماء مثل “القوني”، و”عثمان عمليات”، و”قبة”، و”أبو شوتال”، و”السافنا”، و”أبو لولو”، متداولة على نطاق واسع في نشرات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى درجة أن بعض هذه الألقاب طغى بالكامل على الاسم الحقيقي لصاحبه.
“القوني”.. اسم غرب إفريقي
من أكثر الأسماء إثارة للتساؤل اسم “القوني”، وهو “القوني حمدان دقلو موسى”، الشقيق الأصغر لقائد قوات “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي”. وينظر إلى القوني باعتباره أحد أهم العقول اللوجستية والمالية داخل منظومة “الدعم السريع”، إذ تتهمه تقارير دولية بإدارة شبكات معقدة لشراء السلاح والمركبات والعتاد العسكري.
وقد فرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات، كما ورد اسمه في تقارير دولية تتعلق بتمويل الحرب في السودان. لكن خلف هذا الملف المعقد يبرز سؤال لغوي وثقافي حول معنى اسم “القوني”.
“القوني” أو “الغوني” مفردة ذات جذور منتشرة في البيئات الإسلامية الإفريقية، وتطلق أحياناً على الشيخ أو الرجل العارف بالدين
وحسب اللهجات المحلية في غرب السودان وامتداده في غرب إفريقيا والساحل، فإن “القوني” أو “الغوني” مفردة ذات جذور منتشرة في البيئات الإسلامية الإفريقية، وتطلق أحياناً على الشيخ أو الرجل العارف بالدين. وتتشابه الكلمة مع ألقاب دينية متداولة في تشاد والنيجر ومالي وشمال نيجيريا، وهي مناطق ظلت مرتبطة تاريخياً بدارفور عبر طرق التجارة والهجرة والحج.
ويعكس الاسم بذلك الامتداد الثقافي العابر للحدود بين غرب السودان وفضاء الساحل الإفريقي، حيث لا تتوقف الهويات عند حدود الدولة الحديثة.
“عثمان عمليات”
أما اللواء الركن عثمان محمد حامد، فقد ابتلع لقبه اسمه الحقيقي تقريباً. فالرجل يعرف على نطاق واسع باسم “عثمان عمليات”، في إشارة إلى خبرته العسكرية وإدارته للعمليات الميدانية داخل قوات “الدعم السريع”.
وعثمان، وهو ضابط سابق في الجيش، تخرج في الكلية الحربية ضمن الدفعة 38، قبل أن ينتدب للعمل في “الدعم” خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير. وبعد اندلاع الحرب، رفض العودة إلى الجيش رغم قرارات القائد العام عبد الفتاح البرهان بإعادة الضباط المنتدبين وقاتل إلى جانب “الدعم”.
لقب “عمليات” ليس ذا أصل قبلي أو لغوي، بل هو لقب وظيفي تحول إلى هوية
لقب “عمليات” هنا ليس ذا أصل قبلي أو لغوي، بل هو لقب وظيفي تحول إلى هوية. وفي الحروب الأهلية تحديداً، تتضخم هذه الألقاب لتصنع صورة ذهنية للرجل القوي أو الخبير أو المخيف.
“قبة”.. أثر التصوف في الأسماء
القيادي المنشق عن “الدعم السريع” النور أحمد آدم، المعروف بلقب “قبة”، يمثل نموذجاً آخر للاختلاط الديني بالاجتماعي في الثقافة السودانية.
فالقبة في الوجدان الشعبي السوداني تشير إلى أضرحة الأولياء والمتصوفة، وهي جزء أساسي من المشهد الروحي في وسط وشمال السودان. وتنتشر “القباب” في القرى والمدن باعتبارها مزارات دينية ورموزاً للبركة والوجاهة الاجتماعية. ولذلك، فإن إطلاق لقب “قبة” يرتبط بخلفية أسرية دينية، والانتماء إلى بيت صوفي، ومكانة اجتماعية متصلة برجال الدين.
القبة في الوجدان الشعبي السوداني تشير إلى أضرحة الأولياء والمتصوفة
وكان النور قبة، يعد أحد أبرز مؤسسي “الدعم السريع”، والرجل الثالث داخل المنظومة العسكرية للمجموعة المسلحة، قبل أن يعلن انشقاقه والانضمام إلى الجيش السوداني.
“أبو شوتال”… الخنجر
في شرق السودان، وتحديداً وسط قبائل البني عامر والحباب وبعض المجموعات المتاخمة لإريتريا، يحضر “الشوتال” بوصفه خنجراً تقليدياً طويلاً ومعقوفاً من الأسفل، يمثل رمزاً ثقافياً وتراثياً متجذراً في المنطقة.
ومن هنا جاء لقب “المك أبو شوتال”، أحد القادة الميدانيين الذين ظهروا ضمن قوات “الدعم السريع” خلال الحرب الحالية.
وينتمي “أبو شوتال” إلى قبيلة الهمج في إقليم النيل الأزرق جنوب شرق البلاد، وقد أثار جدلاً واسعاً بعد ظهوره في تسجيل مصور تحدث فيه عن تعرض مجموعته لما وصفها بـ”العنصرية الفجة” داخل الدعم السريع.
في الثقافة السودانية، لا تستخدم كلمة “أبو” دائماً بمعناها الحرفي كأب، بل قد تأتي بمعنى “ذو” أو “صاحب”
ويجمع اسمه بين دلالتين: “المك” وهي كلمة تعني الزعيم أو قائد العشيرة في عدد من مناطق السودان، و”أبو شوتال” التي تحيل إلى الخنجر الشرقي التقليدي.
وفي الثقافة السودانية، لا تستخدم كلمة “أبو” دائماً بمعناها الحرفي كأب، بل قد تأتي بمعنى “ذو” أو “صاحب”. فيقال مثلاً “أبو شلوخ” للشخص ذي العلامات القبلية المعروفة على الوجه، كما تستخدم “أم” و”أبو” بكثرة في أسماء المناطق والقرى مثل: “أبو دوم”، و”أبوعشر”، و”أم دوم”، وغيرها. وفي غرب السودان وتشاد، تتحول “أبو” أحياناً إلى جزء أصيل من الاسم نفسه، وليس مجرد كنية.
“السافنا” ومسارات الرعي
أما القيادي المنشق عن “الدعم”، مؤخراً، علي رزق الله الشهير بـ”السافنا”، فهو مثال مختلف تماماً. فالرجل، الذي أعلن انشقاقه وانضمامه إلى الجيش مع آلاف من مقاتليه، يحمل لقباً لا يرتبط بقبيلة أو سلاح أو طريقة صوفية، بل بمصطلح جغرافي علمي.
“السافنا” تصف نطاقاً بيئياً معروفاً في إفريقيا يتميز بالأمطار الموسمية والأعشاب الطويلة والأشجار المتناثرة
فـ”السافنا” تصف نطاقاً بيئياً معروفاً في إفريقيا يتميز بالأمطار الموسمية والأعشاب الطويلة والأشجار المتناثرة، وهو الحزام الذي تمتد فيه أنماط الرعي والزراعة التقليدية من السودان حتى غرب إفريقيا.
يبقى اسم “أبو لولو” من أكثر الأسماء إثارة للجدل خلال الحرب السودانية.
ويعرف الرجل باسم الفاتح عبد الله إدريس، وقد ارتبط اسمه بتقارير وشهادات تتهمه بالمشاركة في عمليات قتل واسعة وانتهاكات ضد المدنيين. وتصاعد الجدل حوله بعد تسجيلات ومقاطع مصورة تحدث فيها عن قتل أعداد كبيرة من الأسرى والمدنيين، ما أثار موجة غضب واسعة.
لجأ بعض السودانيين إلى تحوير لقبه من “أبو لولو” إلى “أبو لؤلؤ”، في إشارة إلى “أبو لؤلؤة”، الشخصية التاريخية المرتبطة باغتيال الخليفة عمر بن الخطاب
لكن الاسم نفسه يحمل دلالة اجتماعية خاصة. ففي البيئات الرعوية بغرب السودان وتشاد، تنتشر الكنى بصيغة “أبو ثم اسم مصغر لأحد الأبناء”. وهي صيغة مألوفة داخل القبائل العربية الرعوية في دارفور وكردفان وتشاد.
وتؤدي هذه الكنية وظيفة اجتماعية تتجاوز مجرد التعريف، إذ تمنح صاحبها مكانة داخل الجماعة، وتختصر علاقاته الأسرية والقبلية.
ومع تصاعد الاتهامات ضد الرجل، لجأ بعض السودانيين إلى تحوير لقبه من “أبو لولو” إلى “أبو لؤلؤ”، في إشارة إلى “أبو لؤلؤة”، الشخصية التاريخية المرتبطة باغتيال الخليفة عمر بن الخطاب.
ولم يكن هذا التحوير بريئاً لغوياً، بل حمل إدانة سياسية وأخلاقية واضحة، إذ استخدمه ناشطون للتشبيه بين ما نسب إلى قائد الدعم السريع من أعمال قتل جماعي وبين صورة تاريخية مرتبطة بالعنف والاغتيال في الوعي الإسلامي الشعبي.
القدس العربي
