الأربعاء, مايو 27, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارمن يريد التضحية بالموظفين الحكوميين في السودان؟

من يريد التضحية بالموظفين الحكوميين في السودان؟

سودان تمورو:

يتفق كثير من المتخصصين على أن أزمة الخدمة المدنية في السودان أعمق من مجرد أعداد الموظفين، إذ ترتبط بضعف نظم الإدارة وغياب التقييم وتداخل الاختصاصات.

في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وتعقد الأوضاع الإدارية في السودان، برز قرار صادر عن حكومة الخرطوم يقضي بحصر العاملين في الدولة وطرح المعاش الاختياري، كواحد من أهم الخطوات التي تعكس التوجه نحو إعادة تشكيل الجهاز الحكومي في البلاد. الذي يستند إلى توجيهات عليا بنيت على ما تشهده المؤسسات العامة من تراجع لناحية الكفاءة، وتضخم الهياكل الوظيفية، إضافة إلى تحديات تمويلية متزايدة.

غير أن هذا التوجه لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام، إذ يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تكون جزءاً من مسار أوسع لإعادة ضبط الإنفاق العام، في ظل موارد محدودة، بينما يذهب آخرون إلى أنها استجابة لضغوط غير معلنة، أو محاولة لمعالجة اختلالات متراكمة من دون الدخول في إصلاحات هيكلية عميقة.

ترهل وظيفي

يرى الباحث الاقتصادي وليد محمد أن “الحديث عن تقليص الجهاز الحكومي في السودان ليس جديداً، لكنه يكتسب اليوم طابعاً أكثر إلحاحاً في ظل التحديات المالية التي تواجه الدولة، إذ إن الإنفاق على الأجور يمثل نسبة كبيرة من الموازنة، وهو ما يدفع صناع القرار إلى البحث عن طرق لخفضه، بخاصة في ظل تراجع الإيرادات وضعف النشاط الاقتصادي”.

ولفت محمد إلى أن “المشكلة لا تتعلق فقط بحجم العمالة، بل بكيفية إدارتها وتوزيعها، فهناك مؤسسات تعاني ترهلاً واضحاً، في مقابل قطاعات أخرى تعاني نقصاً حاداً في الكوادر، مما يعكس خللاً في التخطيط الوظيفي أكثر من كونه مجرد تضخم عددي”.

وحذر من أن “التركيز على تقليص الأعداد من دون إصلاح منظومة الإدارة العامة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها فقدان كفاءات وتراجع جودة الخدمات وزيادة الضغط على ما تبقى من موظفين”.

وبين أن “تنفيذ مثل هذه السياسات في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة قد يحمل أخطاراً كبيرة، خصوصاً إذا لم تصاحبه برامج دعم أو بدائل اقتصادية حقيقية”.

وختم الباحث الاقتصادي القول إن “الإصلاح الحقيقي يتطلب رؤية شاملة تبدأ بإعادة هيكلة المؤسسات، وتطوير نظم التقييم والمساءلة، وليس الاكتفاء بإجراءات تقليص قد تعالج الأعراض من دون الأسباب”.

آليات غامضة

يثير تشكيل اللجنة المكلفة بحصر العاملين ورفع توصيات التخفيض جملة من التساؤلات المتعلقة بالشفافية ومعايير الاختيار، بخاصة في ظل منحها صلاحيات واسعة للوصول إلى بيانات حساسة، من دون وضوح كاف في شأن آليات الرقابة أو المحاسبة.

في هذا الشأن، يوضح المتخصص في مجال الحوكمة الأمين صالح بأنه “بينما جرى تحديد بعض أعضاء اللجنة بالاسم، تركت جهات أخرى لاختيار ممثليها، في مشهد يراه بعضهم دليلاً على غياب معايير موحدة، ويفتح الباب أمام احتمالات التداخل بين القرار الإداري والاعتبارات غير المهنية. إضافة إلى أن تعيين سكرتارية اللجنة بصورة مباشرة من دون توضيح مبررات الاختيار، يعزز من حالة الغموض، ويطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي ستلعبه هذه المجموعة في توجيه عمل اللجنة”.

وزاد صالح أن “أية عملية إصلاح إداري تبدأ من وضوح الإجراءات ومعايير الاختيار، لأن غياب الشفافية في هذه المرحلة ينعكس مباشرة على صدقية النتائج”.

وأكد أن “تشكيل لجان بصلاحيات واسعة من دون وجود إطار رقابي واضح قد يفتح المجال لتجاوزات، حتى وإن كانت النوايا إصلاحية، في حين أن الوصول إلى بيانات العاملين يتطلب ضوابط صارمة لحمايتها من سوء الاستخدام. كذلك تعيين بعض الأعضاء بالاسم من دون إعلان معايير الاختيار يثير تساؤلات مشروعة حول مدى استقلالية اللجنة، وما إذا كانت ستعمل وفق أسس مهنية أم اعتبارات أخرى”.

ورأى المتخصص في مجال الحوكمة أن “القرارات التي قد تصدر عن هذه اللجنة، بخاصة إذا تعلقت بمصير موظفين، يجب أن تكون قابلة للمراجعة والطعن، لضمان العدالة ومنع التعسف”. وأكد أن “الإصلاح الإداري الحقيقي لا يقوم فقط على إعادة توزيع الأدوار، بل على بناء ثقة بين الدولة والعاملين فيها، وهذه الثقة لا يمكن تحقيقها من دون شفافية كاملة في كل مراحل العملية”.

قلق وظيفي

من جانبه، قال الاختصاصي الاجتماعي خالد سالم “على مستوى الموظفين، لا يقرأ القرار بلغة الأرقام أو الكفاءة، بل بلغة القلق وعدم اليقين. فالمعاش الاختياري، الذي يطرح كخيار، يبدو في نظر كثيرين احتمالاً مفتوحاً لفقدان مصدر الدخل في بيئة اقتصادية لا توفر بدائل واضحة”.

وأردف سالم “تتزايد المخاوف في ظل غياب معلومات دقيقة حول معايير الاختيار، أو الفئات المستهدفة، مما يدفع الموظفين إلى التعامل مع القرار بوصفه تهديداً أكثر من كونه فرصة، في بلد يعاني هشاشة اقتصادية وتراجع فرص العمل، إذ يصبح الخروج من الوظيفة الحكومية مخاطرة كبيرة، بخاصة للفئات التي تعتمد عليها كدخل ثابت”.

واستطرد “هذا القلق لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى الأسر والمجتمع، في ظل احتمالات اتساع دائرة التأثير. مع العلم أن فقدان الوظيفة في مثل هذه الظروف لا يعد مجرد تغيير مهني، بل صدمة اجتماعية ونفسية قد تمتد آثارها لأعوام”.

وواصل “العائلات التي تعتمد على دخل ثابت من الوظيفة الحكومية ستكون الأكثر تأثراً، بخاصة في ظل غياب شبكات أمان اجتماعي فعالة”.

وزاد الاختصاصي الاجتماعي “طرح المعاش الاختياري من دون توفير بدائل حقيقية قد يضع الموظفين أمام خيارين أحلاهما مر: البقاء في حالة قلق دائم، أو الخروج إلى سوق عمل غير مستقر، وبالتالي إن مثل هذه القرارات قد يدفع بعض الأفراد إلى اللجوء إلى الاقتصاد غير الرسمي أو الهجرة، مما يخلق تحديات إضافية للدولة. فأي إصلاح في رأيي يجب أن يراعي البعد الإنساني، لأن تجاهله قد يحول القرار من خطوة إدارية إلى أزمة اجتماعية”.

إصلاح مؤجل

يتفق كثير من المتخصصين على أن أزمة الخدمة المدنية في السودان أعمق من مجرد أعداد الموظفين، إذ ترتبط بضعف نظم الإدارة وغياب التقييم وتداخل الاختصاصات.

وفي هذا الإطار، يطرح سؤال جوهري، هل تمثل قرارات التقليص مدخلاً لإصلاح حقيقي، أم أنها تكتفي بمعالجة ظاهر الأزمة من دون جذورها؟

المتخصص في الإدارة العامة إيثار عبدالله تقول إن “الإصلاح الحقيقي للخدمة المدنية لا يبدأ بتقليص الأعداد، بل بإعادة تعريف الوظيفة العامة نفسها، وتحديد أدوار المؤسسات بصورة واضحة، والتركيز على الأرقام، مما قد يعطي انطباعاً بوجود إنجاز سريع، لكنه لا يعالج المشكلات البنيوية المرتبطة بالكفاءة والإنتاجية”.

وأضافت عبدالله أن “هناك حاجة إلى إصلاح شامل يضم التدريب والتقييم والتحول الرقمي وتعزيز المساءلة، وليس فقط تقليل عدد الموظفين. وغياب هذه العناصر قد يؤدي إلى تكرار المشكلات ذاتها حتى بعد التقليص، مما يعني أن الأزمة ستستمر وإنما بطريقة مختلفة”.

وختم المتخصص في الإدارة العامة بالقول إن “السؤال الحقيقي ليس كم عدد الموظفين الذين يجب أن تنهى خدماتهم، بل كيف يمكن بناء جهاز حكومي قادر على تقديم خدمة فعالة للمواطن”.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات