سودان تمورو
يقف دونالد ترامب اليوم أمام معضلة نادراً ما واجهها رئيس أمريكي من قبله؛ فهو لا يستطيع أن يُشعل حرباً حتى النهاية، ولا يملك ترف توقيع سلام يُرضي خصومه في الداخل قبل الخارج. وبين هذين العجزين، تتكشّف صورة مغايرة تماماً لما يُروَّج عنه من قوة وحسم.
المفاوضات مع إيران تسير في الخلفية، لكن تصريحات ترامب تسير في اتجاه معاكس؛ تهديدات متواصلة، ورفض غاضب لأي تنازل، وخطاب يوحي بأن الحرب على الأبواب. غير أن هذا التناقض ليس دليل قوة، بل هو علامة اختناق. فالرجل يعرف أن كل ضربة عسكرية لن تُسوّي الأزمة، بل ستُعمّقها، وأن كل تسوية دبلوماسية تعترف بالواقع الإيراني ستُفسَّر في عواصم العالم وفي وول ستريت على أنها تراجع استراتيجي لا يُغتفر.
المسألة في جوهرها ليست عسكرية، بل اقتصادية وانتخابية في آنٍ واحد. فالأمريكي العادي يشعر بالضغط على محطة الوقود وفاتورة الكهرباء وإيجار الشقة وسلة الغذاء، وهذه البنود الأربعة هي التي تصنع مصائر السياسيين في الانتخابات لا الخطب الحماسية. وترامب الذي يعلم أن الانتخابات النصفية باتت في مهب الريح، يدرك أن استمرار الضغط الاقتصادي على المواطن الأمريكي يعني تسليم مجلس النواب للديمقراطيين، ثم ربما مجلس الشيوخ.
لكن الورقة الأخطر في يد طهران ليست النفط وحده، بل عائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات. في كل مرة تجاوز هذا المعدل حاجز الـ4.6 بالمئة، اضطر ترامب إلى التراجع، لأن ما فوق هذا الخط يعني انهيار أسواق الأسهم، وتبخّر رهانات مالية ضخمة، وتهديداً حقيقياً لاقتصادات مثقلة بالديون كاليابان. وهذا ما يجعل الحرب الشاملة خياراً مكلفاً لا يتحمله الاقتصاد الأمريكي في وضعه الراهن، فضلاً عن أن الاحتياطيات الاستراتيجية النفطية العالمية باتت في حدودها الدنيا، مما يعني أن أي تصعيد سيُترجَم فورياً إلى أسعار تصاعدية تبدأ من يونيو.
في مؤتمر هيوستون، أجمع كبار الاقتصاديين والمؤسسات المالية الكبرى على أن مضيق هرمز لا يجوز أن يبقى تحت السيطرة الإيرانية. وهنا تتضح الصورة كاملة؛ فالخصم الحقيقي لطهران لم يعد ترامب وحده، بل هو النظام المالي العالمي الذي تديره مؤسسات من عيار جي بي مورغان وبلاك روك وفانغارد، نظام أدار العالم ثمانية عقود ويجد اليوم أن ممراً مائياً واحداً يُربك كل معادلاته.
من هنا يتضح ما يريده ترامب فعلاً من أي اتفاق؛ إنه يريد اتفاقاً يُخرج هرمز من القبضة الإيرانية. وأي تسوية تُبقي هذه السيطرة قائمة، حتى لو جاءت مُحمَّلة بإغراءات أخرى، ستكون في نظره هزيمة استراتيجية لا بد من تعويضها بالقوة في وقت لاحق. وهذا يعني أن الخط الأحمر الأول لطهران في أي مفاوضات يجب أن يكون صريحاً لا لبس فيه: السيطرة على المضيق ليست على طاولة التفاوض. يمكن التفاوض على التفاصيل، على أعداد السفن، وحتى على رسوم العبور لفترة محدودة، لكن أصل السيطرة يجب أن يبقى راسخاً.
وفي نهاية المطاف، لا يبدو أن ثمة طريقاً أمام إيران سوى الصمود. فإن أُحسن إدارة هذه المرحلة، وإن رافق الصمود الخارجي إصلاح اقتصادي حقيقي يُخفف الضغط عن المواطن في الداخل، فإن ما يُكسب ليس رفع العقوبات فحسب، بل تجاوز أكثر من قرن من الإذلال التاريخي المتراكم.
