سودان تمورو:
التقيتُ، قبل بضعة أسابيع، دبلوماسياً غربيّاً يحمل لقب “مبعوث خاصّ إلى السودان”. وقد يطرح سائل استيضاح أبي فراس الحمداني على لسان محبوبته الساخرة حين عرّف نفسه إليها بأنّه “قتيلها”: “أيّهم؟ فهمُ كثر”، فهناك ما يزيد على دستة من المبعوثين “الخاصّين” لدول غربية وشرقية وأفريقية إلى السودان (أو “شرق أفريقيا”). وإذا احتسبنا مبعوثي المنظّمات متعدّدة الأطراف من إقليمية ودولية، فإنّ الحصر يصبح عسيراً. وقد التقيت عدداً من هؤلاء، إمّا في اجتماعات، أو على حدة (غالباً في صحبة مساعدين وسفراء… إلخ). ولا أريد أن أجيب على هذا الاستيضاح لسببَين، أوّلهما الحفاظ على حرمة المجالس، والثاني، أنّه لا توجد فروق تذكر بينهم فيما يردّدون من مقولات وأسئلة. أنا أيضاً أكرّر الإجابة نفسها عن سؤالهم عن أسهل الطرق لوقف الحرب في السودان (الحسم في وجه البربرية)، آملاً أن يفهمها أحدُهم يوماً ما.
هناك خلافات بسيطة، ولكنّها لا تُحسب لصالح “المختلف”، لأنّها قد تكشف قدراً كبيراً من الجهل. أحدهم مثلاً تساءل بعد شرحي المقتضب أسباب نزوح سكّان الخرطوم ومناطق أخرى، فراراً من انتهاكات المليشيا الشنيعة في حقّ المدنيين: أليس الوضع هو نفسه في المناطق التي يسيطر عليها الجيش؟ كدت أن ألملم أوراقي وأنصرف من دون تعليق على هذا التساؤل الصادم في جهله من دبلوماسيٍّ في موقعه. ولكنّني بقيت مُكرهاً بضع دقائق حتى أشرح له الاختلاف المعروف لكثيرين من الأمّيين، وأطلب منه أن يكلّف أحد مساعديه (الكُثر) باستقصاء صحّة مزعمه ذاك.
تعلّل آخر بعدم قدرة دولته على تنفيذ أي ضغط على المليشيا لوقف فظاعاتها، قائلاً إنّ الدولة الخليجية داعمة المليشيا تقدّم خدمات ضرورية للولايات المتحدة في جبهة غزّة. قلت لصاحبنا إنّه في آخر مرّة اطلعتُ فيها على مرجعيات الاتحاد الأوروبي والقوانين الدولية، لم أجد جرائم الإبادة والاغتصاب الجماعي للفتيات والنساء، ونهب الممتلكات، ممّا يحتاج إلى إذن دولة ثالثة لاستنكاره، بل والتحرّك ضدّه. ألم تشارك دولتكم في فرض عقوبات على دول كثيرة، منها السودان، في ضوء اتهامات قريبة من هذه؟
لا يمكن لمجموعة بهذه البربرية أن تصبح في أيّ حال جزءاً من هيكل دولة حديثة
وللتوضيح، تلخّص جوابي المتكرّر عن سؤال الدبلوماسيين الدوليين عن أسرع الطرق وأكثرها فعّاليةً لوقف الحرب في السودان في ضرورة ممارسة ضغط مُوحَّد ومتناغم على المليشيا من الدول الكبرى والمنظّمات الإقليمية ذات الشأن (أفريقية وأوروبية ودولية) لوقف جرائم الحرب التي ولغت فيها. فلا بدّ من رسالة مُوحَّدة، تؤكّد أنّ استمرار الفظائع بهذه الطريقة لن يؤهّل المليشيا لأن تتبوّأ مقعداً في أيّ مائدة مفاوضات. فلا يمكن لمجموعة بهذه البربرية أن تصبح في أيّ حال جزءاً من هيكل دولة حديثة. فأولى مهام أيّ دولة حماية مواطنيها من مثل هذه الوحشية. وهي تخون هذه المهمة إذا قبلت بمجموعة من هذا النوع شريكة فيها، أو رضخت لضغوطها لتتخلّى عنها. فهل يعقل أن يُسمح لقادة هذه الفئة بأن يكونوا جزءاً من قيادة دولة حديثة، من دون أن يعلنوا، أوّلاً، تحمّل مسؤوليتهم عمّا ارتُكب من جرائم، وإعلان التوبة عنها، وإقصاء القيادات والجهات التي ارتكبتها؟ هل يمكن أن يقبضوا رواتب ومخصّصاتٍ من أموال من انتُهكوا وأُثكلوا ورمِّلوا ويُتِّموا وأُفقروا وجُوّعوا وهُجّروا؟ هذا بالطبع أضعف الإيمان، لأنّ الأولى ألّا يكون لمثل هذه الفئة الإجرامية مكان في الدولة أصلاً، ناهيك أن تكون حاكمةً فيها (لاحظوا أنّني لم أطلب وقف الحرب، بل وقف جرائمها، وهناك جهلة يكرّرون أنّ جرائم الحرب ملازمة أيّ حرب ومن طبيعتها، وليس هذا ما يقوله القانون الدولي، ولا القرآن الكريم).
كان هذا الحوار كلّه قبل مأساة مدينة الفاشر وفظائعها. أمّا بعد الفاشر، فلم أتحدّث سوى مع اثنين أو ثلاثة من هؤلاء المبعوثين، قائلاً لهم إنّ ما حدث هناك يؤكّد ما كرّرناه من استحالة التعايش مع مثل هذا الكيان الإجرامي الوحشي. وكارثة الفاشر لم تكن مسؤولية المليشيا البربرية وحدها، ولا بطانتها من أدعياء الثقافة والديمقراطية، بل هي مسؤولية الدول الكبرى والاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي بكامله (لا أذكر جامعة الدول العربية لما لا يخفى). فقد استغرق تنفيذ جريمة الإبادة هذه أكثر من عامَين، وكان الوحوش يوثّقونها بالفيديو (الشيء الوحيد الذي اكتسبوه من الحداثة، مع المُسيَّرات). وكان كلّ من له لسان ومثقال ذرة من الخُلق يحذّر وينذر. أمّا “المبعوثون”، فكانوا يطوفون بأوكار الوحوش، أو يدعونهم إلى عواصم دول مجاورة لشرب القهوة (وما سواها)، ويستمعون إلى هرائهم عن الديمقراطية ومحاربة الإسلاميين. ثمّ ينصرف كلّ منهم لقبض مخصّصاته حتى تقع كارثة أخرى.
يكون الحوار مع فئة لديها شيء من الإنسانية والعقل في مجتمع دولي ينحاز إلى الحقّ والعدل
كنت أضيف إنّ لقادة المليشيا ومروّجيهم من فاقدي الإنسانية عذر متكرّر لعدم القدرة على وقف هذه الفظائع، أنّ مرتكبيها “متفلتون” لم تستطع المليشيا لجمهم. فإذا كان العذر صحيحاً، فلا قيمة لعقد اتفاق مع المليشيا وسدنتها، إذ إنّ “انتهاكات” المتفلتين لن تتوقّف بسببها. والأصحّ بالطبع أنّ المليشيا كلّها كيان متفلّت، غير قادر على لجم نفسه عن النهب والتقتيل وهتك الأعراض. وهذا يفرض موقفاً أخلاقياً ضدّ أيّ اتفاق مع هذا الكيان يعيده إلى قلب الحياة السياسية السودانية. ويفرض قبل ذلك، تكاتفاً دولياً حازماً لردع هذه الوحشية. والبداية تكون بأضعف الإيمان، وهو تبليغ قياداتها ومؤيّديها من السياسيين بأنّ المليشيا بأفعالها الراهنة لن تكون أبداً طريقهم إلى السلطة، ولا إلى القبول من الإقليم أو المجتمع الدولي.
هذا الموقف أجدر من بيع الأوهام بأنّ المزيد من الوحشية والإجرام رهن بأن يدفع السودانيين والمجتمع الدولي إلى الخضوع لابتزازها. والحسم أجدر من النفاق والتواطؤ في ردع المليشيا عن إثمها وجرائمها. بداية من وقف نهب المساعدات، ثمّ التعدّي الوحشي على المدنيين والتصفيات العرقية، وكذلك الإمساك عن تدمير الخدمات الصحّية والتعليمية والإدارية وغيرها ممّا لا بقاء للحياة من دونه.
في إحدى الجلسات، فهم أحد مساعدي المبعوث حديثي نقداً لمقابلات المبعوثين مع “الجنجويد”، قائلاً إنّنا، بصفتنا دبلوماسيين، لا بدّ أن نتحدّث مع الأطراف كلّها. كان ردّي أنّ كلامي بالعكس، يشجّع على الحديث مع المليشيا، ولكن بعيداً عن المجاملات والتملّق والتهرّب من لبّ القضية، وهو وحشية سلوكها. ما نريده إيصال رسالة حاسمة مُوحَّدة أنّ المجتمع الدولي لن يقبل الإبادة، ولن يُتوّج مرتكبوها والمتعاطفون معهم حكّاماً لأيّ بلد تحت إشراف أممي، خصوصاً بعد تكرار الجرائم من دون توقّف. وليس هذا اختراعاً من عندنا، بل هو مقتضى القانون الدولي والقوانين التي سنّتها هذه الدول.
المليشيا كلّها كيان متفلّت، غير قادر على لجم نفسه عن النهب والتقتيل وهتك الأعراض. وهذا يفرض موقفاً أخلاقياً ضدّ أيّ اتفاق مع هذا الكيان يعيده إلى قلب الحياة السياسية السودانية
صحيح أنّنا شهدنا في عصر ما بعد غزّة ما يتجاوز التغاضي عن الإبادة ومرتكبيها إلى المشاركة الفاعلة فيها بالمال والسلاح وسقط التبريرات. ولكن هذا لا يعني أنّ هذه الممارسة أصبحت “القانون الجديد”، خصوصاً أنّ المتواطئين يلوذون بالإنكار والتحايل.
في سانحة أخرى، قال قائلهم إنّه لا يوجد حلّ عسكري لهذا الصراع، ولا بدّ من الحوار. قلت لو قبل السودانيون بمقولتك هذه وظلّوا يستعطفون “الجنجويد” للخروج من بيوت المواطنين ومستشفياتهم ومدارسهم ومزارعهم في الخرطوم ومدني والجزيرة وسنار وغيرها من نواحي السودان المغتصبة، لاستمرّ البرابرة يضعون ساقاً على ساق، ويمارسون فجورهم ورذائلهم فيها ساخرين. ولكن تلك الأراضي قد طُهِّرت من دنسهم بعزائم الرجال والنساء المقاتلين، وعاد إليها الملايين من سكّانها المشرّدين، عنوةً واقتداراً وليس مكرمةً من القتلة، وإنّما يكون الحوار مع فئةٍ لديها شيء من الإنسانية والعقل، وفي ظلّ مجتمع دولي ينحاز بشيء من الاستقامة إلى الحقّ والعدل. صمت صاحبُنا ومن معه، من دون أي تعليق. فقد كانوا يردّدون هذه المقولات من دون كثير من تأمّل لاعتبارها من مسلمات الدبلوماسية الدولية، في حين أنّهم يدعمون أوكرانيا في دفاعها عن نفسها ضدّ قوّة نووية عظمى، ويدعمون إسرائيل، وهي قوة نووية أيضاً، بحجّة أن بضع مئات من المقاتلين الفلسطينيين “يهدّدون وجودها”، ويوشكون أن يرتكبوا في حقّها الإبادة كما فعل هتلر. أمّا في السودان (وحتّى في غزّة حين ينصحون الفلسطينيين) فالحلّ أن يتقبّل الناس البرابرة حكّاماً عليهم رغم أنوفهم. هذا لأنّهم يعتقدون أنّنا برابرة لا يصلحنا إلّا السوطُ والسيف… ليسمحوا لنا بأن نختلف مع هذا المعتقد.
حاشية: ما ذُكر عن الدبلوماسية الدولية ينطبق، للأسف، بصورة ألصق على ذلك القطاع من النُّخبة السودانية الذي جعل من نفسه جناحاً سياسياً لمليشيا الجنجويد، وموطئاً لأقدام قادتها وداعميهم، يدافعون عن كبائرها من دون أن يفتح الله على أيّ منهم بكلمة نصيحة (هم لا يجرؤون على نقد) لأوليائهم من المليشيا حول ضرورة ترك الإبادة والنهب والاغتصاب والممارسات الوحشية التي رافقتهم أنّى حلّوا. حتى حين أصبحت قراهم وأسرهم الممتدّة ضحيةً للنهب والإذلال والتشريد من دون ذنب جنوه، وحتى بعد أن أصبح كبار قادة “الجنجويد” يهربون من “ديمقراطية” المليشيا الموعودة للشعب السوداني، ويعترفون بما ارتكبت من الكبائر ويعلنون التوبة عنها. فالأقربون أولى بالمعروف.
