سودان تمورو
بين ركام غزة ولبنان، وأصداء القذائف التي لم تتوقف عن حصد أرواح المدنيين، تشهد الساحة الألمانية تحولاً عميقاً ومفصلياً في حراكها الشعبي.
لطالما اعتبرت ألمانيا “أمن إسرائيل” جزءاً لا يتجزأ من مصلحة دولتها العليا وعقيدتها السياسية الكلاسيكية (Raison d’état)، إلا أن استمرار الحرب وتوسعها نحو لبنان قد خلق تصدعاً غير مسبوق بين الرواية الرسمية للحكومة والوعي الجمعي المتنامي في الشارع.
نحاول فى هذه المساحة القراءة في أبعاد الحراك الشعبي الالمانى ضد اسرائيل ، ومطالبه، وتأثيراته على المنظومة السياسية الغربية
أولاً: ملامح الحراك الشعبي في ألمانيا وديناميكياته
لم يعد الحراك المؤيد لفلسطين ولبنان في المدن الألمانية (مثل برلين، وهامبورغ، وفرانكفورت) مقتصراً على الجاليات العربية أو الإسلامية فحسب؛ بل تحول إلى مظلة تجمع طيفاً واسعاً من الحركات اليسارية، والمجموعات الحقوقية، والمنظمات الطلابية، والنشطاء الألمان المناهضين للحروب.
وترتكز هتافات وبيانات هذا الحراك اليوم على أربعة مطالب رئيسية وجريئة:
الوقف الفوري والشامل للعدوان: رفضاً للمجازر المستمرة في قطاع غزة والعمليات العسكرية والضربات الجوية التي تستهدف لبنان.
حظر تصدير الأسلحة لإسرائيل: الضغط القانوني والسياسي لوقف شحنات الأسلحة الألمانية، باعتبارها مشاركة مباشرة في تمويل وتسهيل جرائم الحرب.
المحاسبة الدولية: الدعوة الصريحة لتقديم القادة الإسرائيليين إلى محكمة الجنايات الدولية (ICC) ومحكمة العدل الدولية (ICJ) بتهم ارتكاب “جرائم حرب“، و“جرائم ضد الإنسانية“، وتطهير عرقي.
إنهاء سياسة إسكات الأصوات: مناهضة القمع الأمني والتضييق الذي تمارسه السلطات الألمانية ضد التظاهرات السلمية، ورفض دمج انتقاد الصهيونية وسياسات إسرائيل بـ “معاداة السامية“.
ثانياً: الفجوة الصادمة بين الوعي الشعبي والموقف الرسمي
ما يميز هذا الحراك هو أنه لم يعد مجرد “حركة شارع” معزولة، بل بات مسنوداً بتحول حاد في الرأي العام الألماني العام، وهو ما أثبتته استطلاعات الرأي الرسمية (مثل استطلاعات معهد YouGov ومعهد GIGA).
هذا التحول يكشف فجوة عميقة بين ما تؤمن به الأغلبية وبين مواقف برلين الرسمية
فأكثر من 60% يعتقدون أن إسرائيل ترتكب “إبادة جماعية” وجرائم حرب في غزة بينما ترفض الحكومة الألمانية هذا التوصيف وتدافع عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها“.
والأغلبية الساحقة من الالمان ترفض الدعم العسكري المقدم من الحكومة لاسرائيل وتطالب بوقف تصدير السلاح اليها لكن تظل المانيا واحدة من اكبر مصدرى السلاح لاسرائيل رغم الضغوط.
ويدعم نحو نصف الشعب الألماني الاعتراف الفوري بدولة فلسطين لكن الحكومة فى برلين ترى أن الاعتراف يجب أن يكون نتيجة مفاوضات نهائية فقط.
وبينما يرى 68 % من الالمان أن السياسة الخارجية يجب أن تقاد بالقانون الدولي وحقوق الإنسان العالمية تتمسك برلين بتقديم “أمن الدولة الإسرائيلية” كأولوية تاريخية مطلقة فوق الاعتبارات الأخرى.
ثالثاً: أبعاد ونتائج الحراك في لفت نظر الغربيين لتواطؤ حكوماتهم
يمثل هذا الحراك الشعبي، والتحول في الرأي العام، أداة ضغط استراتيجية بدأت تفكك الهيمنة السردية السابقة في الغرب، وتتجلى أبعادها ونتائجها في الآتي:
1. تعرية “ازدواجية المعايير” الغربية
نجح الحراك في وضع المنظومة السياسية الألمانية والغربية أمام مرآة قاسية؛ فبينما تدافع هذه الحكومات عن القانون الدولي في صراعات أخرى (مثل أوكرانيا)، فإنها تغمض أعينها أو تتواطأ علناً مع الانتهاكات الإسرائيلية في غزة ولبنان وهذا التناقض الصارخ أسقط “الاستعلاء الأخلاقي” للغرب أمام مواطنيه قبل غيرهم.
2. إعادة تعريف “المسؤولية التاريخية”
لسقوط الحجج الرسمية الألمانية صدى خاص؛ حيث عمل الحراك والشريحة الواسعة من المثقفين والنشطاء الألمان (بما في ذلك أصوات يهودية تقدمية داخل ألمانيا) على تفكيك فكرة أن “التكفير عن عقدة الذنب التاريخية لألمانيا (المحرقة)” يجب أن يتم عبر منح صك على بياض لدولة إسرائيل لانتهاك حقوق شعب آخر. وبدلاً من ذلك، يدفع الحراك نحو فكرة أن المسؤولية التاريخية تقتضي الدفاع عن حقوق الإنسان لأي إنسان، دون استثناء.
3. الضغط القانوني والملاحقة القضائية
انتقل الحراك من الهتاف في الشوارع إلى أروقة المحاكم؛ حيث رفعت منظمات حقوقية ألمانية ودولية دعاوى قضائية ضد الحكومة الألمانية لمنع صادرات الأسلحة، مستندة إلى “قانون مراقبة أسلحة الحرب” الألماني ومعاهدة تجارة الأسلحة الدولية، مما وضع الحكومة تحت حرج قانوني مستمر وشكل ضغطاً حقيقياً على صناع القرار.
4. كسر حاجز الخوف والترهيب السياسي
رغم المحاولات الشرسة لشيطنة الحراك، وحظر بعض الشعارات، واستخدام العنف البوليسي في فض الاعتصامات الطلابية، فإن استمرار المظاهدات وزيادة زخمها كسر “تابو” الخوف من الحديث عن فلسطين في ألمانيا. وأصبح جيل الشباب الغربي أكثر جرأة على تسمية الأمور بمسمياتها (أبرتهايد، تطهير عرقي، إبادة).
إن الحراك الشعبي في ألمانيا وبقية العواصم الغربية لا يدافع فقط عن غزة وبيروت، بل يخوض معركة شرسة لإنقاذ ما تبقى من مصداقية لمنظومة القانون الدولي.
إنه حراك يؤكد أن الشعوب الغربية بدأت تدرك بشكل جلي أن حكوماتها ليست مجرد “مراقب عاجز“، بل هي “شريك متواطئ” في الجرائم ضد الإنسانية من خلال التمويل، والتسليح، والغطاء الدبلوماسي.
