سودان تمورو:
تعيش الأسر السودانية حالة من الضبابية والاضطراب على المستوى الاقتصادي، حيث أصاب الشلل الكثير من الأنشطة الاقتصادية، ولا سيما الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار السلع الأساسية، والتي أدت إلى حدوث موجة تضخمية حادة ضربت الاقتصاد، وأنتجت حالة من الكساد الذي تحول إلى ركود تضخمي عميق.
وبات الاقتصاد السوداني غير منتج على المستوى الوظيفي والعملي، نتيجةً للإفراط في فرض الرسوم والضرائب على القطاعات المختلفة في سياسة حكومية لتمويل العجز من جيب الشعب، الأمر الذي تسبب في تعطيل القطاعات الإنتاجية، وارتفاع نسب البطالة لتتجاوز 55%، وتفشي الفقر والجوع، وقد وصل السودان بالفعل حالياً إلى مرحلة الركود التضخمي.
وفي ظل هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة، أعلن الجهاز المركزي للإحصاء تصاعد معدل التضخم السنوي خلال شهر إبريل/ نيسان الماضي ليبلغ 45.84%، مقارنة بـ 40.84% في مارس/ آذار الماضي، ليسجل زيادة قدرها خمسة بالمئة في شهر واحد. ويعكس هذا التصاعد الضغوط المتزايدة على الاقتصاد نتيجة التراجع المستمر في قيمة العملة المحلية (الجنيه السوداني) أمام العملات الأجنبية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل ملحوظ.
وأوضح التقرير الإحصائي أن معدل التضخم في المناطق الحضرية بلغ 49.70% مقابل 41.33% في مارس، بينما وصل في المناطق الريفية إلى 43.62% مقارنة بـ 39.53% في الشهر السابق. وأكد الجهاز أن البيانات جُمعت من 16 ولاية، مع الاعتماد على التقديرات لأسعار ولايتي شمال ووسط دارفور بسبب الأوضاع الأمنية وظروف الحرب المعقدة.
ورغم أن السودان شهد انخفاضاً تدريجياً في معدلات التضخم منذ أن بلغ ذروته التاريخية عند 422% في يوليو/ تموز 2021، إلا أن الحرب الأخيرة أعادت الضغوط القصوى على الاقتصاد؛ حيث فقد المواطنون مصادر دخلهم وتضررت البنية التحتية والأنشطة التجارية والزراعية بشكل جسيم. ويشير التقرير إلى أن السودانيين ينفقون أكثر من نصف دخلهم على الغذاء والمشروبات، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار عبئاً كارثياً مباشراً على حياتهم اليومية.
وظل الوضع المعيشي تحت ضغط التضخم المتصاعد، حيث ارتفعت أسعار السلع الاستراتيجية بشكل جنوني؛ إذ بلغ سعر جوال السكر (سعة 50 كغم) 175 ألف جنيه، والإسمنت وصل إلى 55 ألف جنيه للجوال، بينما واصلت أسعار الدقيق والزيوت والوقود الصعود، ما زاد من معاناة المواطنين اليومية (الدولار = نحو 4200 جنيه).
وفي جولة ميدانية شملت الخرطوم وعطبرة وبورتسودان، عبّر مواطنون عن صدمتهم من القفزات الأخيرة في الأسعار؛ حيث وصل سعر أربع قطع من الخبز إلى ألف جنيه بعد أن كانت ست قطع تباع بالسعر نفسه، وتزامن ذلك مع تراجع أوزان الفراشيح (خبز رقيق). وارتفعت أسعار زيوت الطعام ومواد البناء بشكل لافت، وأوضح مواطنون أن الوضع المعيشي أصبح فوق طاقة الاحتمال، مؤكدين أن هذه الزيادات المفاجئة تضع الأسر أمام تحديات يومية قاسية وتعمق فجوة الغذاء.
وعبّر المواطنون عن استيائهم البالغ من غلاء الخبز والسلع الأساسية، محذرين من تدهور كامل للقدرة الشرائية للأسر محدودة الدخل، في وقت قفزت فيه عبوة زيت الطعام (سعة 7 ليترات) لتصل إلى 35 ألف جنيه، بعد أن كانت بـ 30 ألف جنيه.
ويرى مواطنون أن ما يحدث في الأسواق سيقود إلى كارثة إنسانية محققة؛ فارتفاع الأسعار بلا ضوابط أو معايير يمهد الطريق إلى توطين (الجوع) في ظل ضعف الرواتب وانعدام السيولة النقدية، وغياب الرقابة والقوانين والإجراءات التي تتناسب مع هذه الأوضاع الاقتصادية الخطيرة. وقال المواطن الرشيد صديق (موظف) لـ”العربي الجديد”: “رغم الارتفاع المخيف والخطير في قيمة السلع بالأسواق، ما زالت الدولة ترفع يدها عن التدخل في تحديد الأسعار أو ضبطها، وتستنكف عن إلزام التجار بوضع ديباجة واضحة لسعر السلعة تحفظ حق المواطن البسيط في الحصول على لقمة عيشه دون استغلال”.
من جانبهم، يؤكد خبراء اقتصاد أن التقارير التي تصدر عن الجهاز المركزي للإحصاء في هذه الظروف قد لا تتحلى بالدقة والشفافية الكاملة، وربما أغفلت بعض الجوانب الهيكلية والميدانية المهمة عمداً من أجل الوصول إلى هذه النتائج، ما يجعلها لا تعبّر بدقة عن عمق الكارثة على الأرض. ويقول الخبير الاقتصادي، محيي الدين إسماعيل لـ”العربي الجديد”: “إن ما يحدث لدينا هو تداخل خطير بين المؤشرات العلمية والعملية وبين المواقف السياسية، لذلك فإن التقارير الإحصائية الصادرة عن الجهات الرسمية لا تعتمد حالياً على مسوحات واقعية وشاملة، وفي هذا التوقيت المأزوم والمعقد، قد لا تعكس الأرقام المعلنة حقيقة الواقع المعيشي المرير الذي يكابده المواطن”.
العربي الجديد
