سودان تمورو:
في تطور لافت يشي بتغير جذري في قواعد الاشتباك التي حكمت الصراع طيلة الأشهر الماضية، شهد الأسبوع الماضي تراجعاً إسرائيلياً مدوياً أمام توازن الرعب الجديد. فبعد أن أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي إنذاراً بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت تمهيداً لضربها، جاء الرد حاسماً وعلنياً من طهران دعماً لحزب الله، وتجلى ذلك في بيان واضح للحرس الثوري الإيراني توعد فيه بضرب شمال الأراضي المحتلة إذا ما مُست بيروت أو ضاحيتها. هذا التهديد المباشر، المتزامن مع ضغوط أمريكية تتجنب إشعال حرب إقليمية واسعة في الوقت الراهن، أجبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ابتلاع تهديداته والتراجع عن الهجوم، لتُسجل في دفتر الصراع نقطة تحول إستراتيجية تتمثل في تثبيت طهران لمعادلة “الشمال المحتل مقابل الضاحية وبيروت”.
ولفهم أبعاد هذا التحول، لا بد من العودة إلى جذور المشهد منذ اندلاع معركة “طوفان الأقصى”، حيث اشتعلت الجبهة الشمالية وتحولت مستوطنات الغلاف الشمالي إلى مدن أشباح بعد أن أمطرها حزب الله بالصواريخ والمسيرات، مما أجبر أكثر من 80 ألف مستوطن من أصل 230 ألفاً على إخلاء منازلهم. ورغم التهدئة المؤقتة التي شهدها عام 2024 وعودة بعض المستوطنين في ظل صمت تكتيكي من حزب الله بهدف إعادة بناء قدراته العسكرية، إلا أن دخول الحزب رسمياً في “حرب رمضان” أعاد خلط الأوراق، ولم تعد الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الجنوب اللبناني تمر دون رد حازم.
حاولت الآلة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، مستغلة حالة التهدئة النسبية بين واشنطن وطهران، فرض واقع جديد وكسر المعادلة التاريخية التي أرساها حزب الله (تل أبيب مقابل بيروت)، واستبدالها بمعادلة (بيروت مقابل الشمال الإسرائيلي). وقد سعت تل أبيب، بغطاء أمريكي، إلى تمرير هذه الخدعة عبر أروقة السياسة والمفاوضات مع الحكومة اللبنانية، إلا أن المقاومة في لبنان وأدت هذا المسار في مهده، رافضة أي تسويات حكومية تعتبرها استسلاماً صريحاً للإملاءات الإسرائيلية، ومواصلة دك معاقل الشمال بالتزامن مع تلك الحراك الدبلوماسي المزعوم.
وعلى وقع الضربات الموجعة في الشمال، حاول نتنياهو استعراض عضلاته بالتلويح مجدداً بقصف الضاحية، وهنا جاء التدخل الإيراني ليقطع الطريق على أي محاولة إسرائيلية لتثبيت هذه المعادلة الجديدة. إن التلويح الإيراني بضرب الشمال لم يأتِ من فراغ، بل يعكس إدراكاً دقيقاً للخاصرة الرخوة لدولة الاحتلال؛ فالشمال الإسرائيلي يمثل العمق الإستراتيجي والصناعي الأهم، وعلى رأسه مدينة حيفا التي تضم الميناء الأكبر، والقاعدة الرئيسية للبحرية الإسرائيلية، ومصفاة “بازان” للنفط، فضلاً عن قاعدة “رامات ديفيد” الجوية ومطار حيفا، مما يجعل أي استهداف لهذه المنطقة بمثابة ضربة قاصمة لشريان الحياة الاقتصادي والعسكري الإسرائيلي.
داخلياً، انعكس هذا الفشل الإستراتيجي في إدارة المعركة حالةً من الغليان في الشارع الإسرائيلي، خاصة بين مستوطني كريات شمونة، المطلة، صفد، عكا، نهاريا وطبريا، الذين يعيشون تحت رحمة نيران المقاومة بشكل يومي. لقد تبخرت وعود القيادة الإسرائيلية بسحق قدرات حزب الله، وبات المستوطنون يشعرون بخذلان غير مسبوق من حكومتهم. وتشير الأرقام بوضوح إلى هذا السخط، حيث يُحمل 62% من الإسرائيليين نتنياهو شخصياً مسؤولية انعدام الأمن في الشمال، متهمين إياه برهن قرار الجيش وحسابات الأمن القومي لحسابات سياسية وانتظاراً لتوجيهات الإدارة الأمريكية القادمة.
سياسياً، تبدو فاتورة هذا التخبط باهظة على مستقبل نتنياهو وحزبه. فمناطق الشمال، التي لطالما شكلت خزاناً انتخابياً صلباً لليمين الإسرائيلي وصنعت تفوق الليكود في انتخابات 2022، باتت اليوم قنبلة موقوتة في وجه الائتلاف الحاكم. ورغم أن هذه المدن قد لا تمثل ثقلاً برلمانياً ضخماً يفوق المقعدين أو الثلاثة، إلا أن السقوط المدوي في توفير الأمن، وهو العصب الرئيسي للعقلية الناخبة هناك، ينذر بعقاب انتخابي قاسٍ في أي استحقاق قادم.
في المحصلة، لقد انقلب السحر على الساحر؛ فبدلاً من أن تنجح إسرائيل في تقزيم معادلة الردع وفرض معادلة “بيروت مقابل الشمال”، انتزعت إيران وحلفاؤها زمام المبادرة، ليصبح أي مساس بالعاصمة اللبنانية مقترناً برد إقليمي مباشر يستهدف العمق الشمالي للاحتلال. وهي معادلة لا تكبد إسرائيل خسائر إستراتيجية فادحة فحسب، بل تضع رقبة نتنياهو السياسية تحت مقصلة الفشل المدوي.
