الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالرسوم على خدمات النيابة ومهددات الحصول على العدالة .. أبوذر الغفاري بشير...

الرسوم على خدمات النيابة ومهددات الحصول على العدالة .. أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

سودان تمورو

طالعت باستغراب الخطاب الذي أصدره السيد وكيل النيابة العامة بالولاية الشمالية بتاريخ 10 فبراير 2025 والذي وجه فيه وكيل النيابة الأعلى ووكلاء النيابات بالولاية بالعلم واستلام وتحصيل رسوم النيابة إضافة إلى جدول رسوم خدمات الولاية المجازة للعام 2025، بناء على توجيهات وزارة المالية والقوى العاملة بالولاية، وأن يكون التحصيل ابتداء من تاريخ 12 فبراير 2025 .
تضمن الخطاب الرسوم التي يتم تحصيلها عن الخدمات التي تقدمها النيابة ومنها على سبيل المثال: قيد الدعوى الجنائية في الجرائم المتعلقة بالشيكات ويبلغ رسمها 3% ، وقيد الدعوى الجنائية في الجرائم الأخرى ويبلغ رسمها 10,000 جنيه، وطلب استئناف القرارات الصادرة من النيابة إلى الوكيل الأول أو الوكيل الأعلى أو رئيس النيابة ويتراوح رسمها بين 20,000 و60,000 جنيه، وطلب استرجاع الرصيد المحول خطأ لدى شركات الاتصال ويبلغ رسمه 5,000 جنيه. ويتضح من الخطاب الصادر أن المواطن لا يستطيع أن يتقدم للقيام بإجراء أمام النيابة ما لم يدفع الرسم المقرر ابتداء، حتى يمكن للنيابة السير في إجراءاته، بما في ذلك طلب تقييد بلاغ جنائي أمام أي متهم بارتكاب جريمة ضده.
الرسوم المقررة على إجراءات النيابة تنبني على خطأ مفهومي كما أنها بدعة مستحدثة ليس لها أساس قانوني وتشكل خطراً على تحقيق العدالة وذلك لعدد من الأسباب منها ما يلي:
1- النيابة جهاز اتحادي مستقل لا يتبع لأجهزة الحكم الولائي ومن ثم يتعين أن تحدد إجراءاته بموجب تشريع اتحادي وليس توجيهات ولائية لا تضع اعتباراً إلا للمصالح الخاصة بالولايات. فالأجهزة الولائية ليس لها كبير خبرة في آليات تحقيق العدالة ومناهجها التي يتعين أن يتبعها جهاز النيابة، وإنما غرضها الأساسي تحقيق أكبر قدر من الإيرادات المحلية، وبالطبع فإن تحقيق العدالة وتحصيل أموال الولاية أمران قد يحدث بينهما كثير من التعارض في كثير من الحالات.
2- ينظم الرسوم المقررة للإجراءات المدنية أمام المحاكم تشريعات الإجراءات المدنية وفق منظومة متكاملة تراعي تطبيق العدالة وفق معايير محددة ومدروسة. وفي الدول التي تكون فيها النيابة جزءاً من الجهاز القضائي فإنها تتقيد بهذه الرسوم باعتبارها رسوم قضائية. أما الوضع في السودان فمختلف حيث أن النيابة جهاز مستقل عن السلطة القضائية لا ينطبق عليه جدول الرسوم القضائية، ومن ثم فليس لها الحق في استلاف المقارنة بالجهاز القضائي.
لم يراع فرض رسوم النيابة مقتضيات العدالة في تطبيقها مما قد يحدث ظلماً بيناً، ومن ذلك على سبيل المثال:
1- لم تضع اعتباراً لظروف غير القادرين على دفع هذه الرسوم من طالبي الإجراءات أمام النيابة بما في ذلك الذين يتقدمون لفتح بلاغات وقيد الدعاوى الجنائية في مواجهة أي متهمين، الأمر الذي يقف حجر عثرة أمامهم للحصول على العدالة المطلوبة.
2- توجد فئات بكاملها عادة ما تستثنى من سداد الرسوم في كثير ومنها التي يرفعها العمال وعمال الخدمة المساعدة ومن في حكمهم أو المستحقين عنهم في الإجراءات المتعلقة بهم ولم تراع الإجراءات التي فرضتها الولاية الشمالية تقديراً لأوضاع هذه الفئات
3- في الإجراءات القضائية عادة ما يتحمل الطرف الذي يخسر دعواه الرسوم المدفوعة، ويعد سداد الرسم من قبل طالب الاجراء القضائي إيداعاً على سبيل الضمان إلى حين الفصل النهائي في مصير الاجراء، ولم يتضح من الخطاب الموجه من السيد/ وكيل النيابة العامة وجود أي اعتبارات بهذا المعني. حيث أن هذه الرسوم تدفع على الخدمة.
4- تسعى الإجراءات القانونية دوماً إلى تحقيق التسوية وتشجيع إجراءات الصلح والتسامح، وهذا هو أحد أهداف فرض الرسوم القضائية، إلا أن الرسوم المقررة على خدمات النيابة في الولاية الشمالية تسير عكس هذا الاتجاه، فقد نصت على رسم (التنازل علن الصكوك المرتدة) وتبلغ قيمته 2% من قيمة الصك يدفعه المبلغ وليس محرر الشيك حتى ولو كان ثابتاً ارتكابه الجرم المعني. فمن يبدأ إجراءات بلاغ شيك مرتد لن يستطيع التسامح فيه إلا بسداد المبلغ المحدد.
5- إن أكثر ما يثير الغرابة في توجيهات وزارة المالية هو الربط بين الرسوم التي تتحصلها النيابة والرسوم التي تحصل عليها الولاية كخدمات. فقد حددت مبلغاً مالياً إضافياً يذهب إليها عن الخدمات التي أوضحت أنها مقدمة من الولاية، ومن الثابت أن الولاية لا تقدم أي خدمة للمواطن نظير الاجراء المتخذ أمام النيابة. ومن المتعارف عليه أن الرسم يكون نظير خدمة مقدمة وليس ضريبة تفرض على شخص مكلف، وهذا هو أحد وجوه التمييز بين الرسوم والضرائب. فما تحصله الولاية من مبالغ إضافية على خدمات النيابة هو ضريبة وليس رسماً. وكان على الولاية الشمالية أن تكون أكثر صراحة وتسمي الأشياء بمسمياتها وتصدر قراراً بضرائب محلية على الخدمات التي تقدمها النيابة بدلاً من حشرها بين رسوم النيابة.
من الثابت أن فرض رسوم على خدمات النيابة هي ممارسة معمول بها في كثير من النظم القانونيةـ وتهدف إلى تحقيق عدد من الأهداف منها ضمان جدية الطرف في السير الاجراء المطلوب والحد من أي إجراءات كيدية لا علاقة لها بتحقيق العدالة، وتحقيق التوازن المطوب بمعنى أنه يساعد في ضمان استخدام الحق دون تعطيل العدالة أو إطالة أمد النزاعات، إلا أن ذلك يكون في النظم التي تكون فيها النيابة جزءاً من الجهاز القضائي، ومن ثم فإن هذه الرسوم تقيد بقيود عديدة تراعي تحقيق العدالة وعدم وجود قيود على الحصول عليها. أما فرض رسوم ولائية بموجب أمر محلي على نيابة اتحادية على النحو الذي تم في الولاية الشمالية، فامر يتعين إعادة النظر فيه
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات