سودان تمورو:
“الحرب العبثية”… بتلك الكلمات وصف إيهود باراك – رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق – عدوان غزة، في اعتراف يكشف زيف الرواية الإسرائيلية. لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً للصهاينة هي أن هذا النقد لم يأتِ من خصومهم، بل من قلب المؤسسة الحاكمة نفسها، من قاتل محترف عرفته ساحات القتال ضد المسلمين.
ما كشفه باراك ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل هو تشخيص دقيق لمرض استراتيجي في كيان بني على المغالطة. الحرب لم تعد لأمن مزعوم، بل تحولت إلى أداة لإنقاذ مستقبل نتنياهو السياسي المهترئ. إنها “العبثية” التي يدفع ثمنها دماء الأطفال في غزة، بينما يلهث القاتل عن بطولات وهمية تمسك به على كرسي الحكم.
اللافت في تصريحات باراك إشارته الضمنية إلى “الأمراض النفسية” التي تحرك نتنياهو. إنها ليست مجرد استعارة بلاغية، بل حقيقة سريرية تتجلى في جنون العظمة الذي يجعله يخشى من طفل في الرضاعة ويعتبره تهديداً وجودياً! هذه العقلية الفاشية التي ترى في كل مهد فلسطيني قنبلة موقوتة، تكشف عن عمق الأزمة الوجودية للكيان.
يعترف قتلة الأمس (باراك ولابيد) بجرائم اليوم (نتنياهو)، في حلقة مفرغة من العنف. لكن هذه الاعترافات ليست ندمًا، بل مؤشر على انهيار المنظومة الصهيونية من داخلها. حين يصبح القتلة نقاداً لبعضهم، فهذه إشارة تنبئ بزوال لا مفر منه.
كلام باراك ليس منطلقاً من إنسانية، بل من حسابات براغماتية. إنه يدرك أن دماء غزة ستصبح لعنة تاريخية على الكيان. لكننا لا نأخذ كلامه كتضامن نعتمده، بل كدليل إدانة نرفعه في محكمة التاريخ. فالحل ليس في تغيير القتلة، بل في إسقاط منظومة القتل ذاتها.
ها هم أبناء الصهيونية يأكلون بعضهم، وها هي غزة تكتب بدمائها نهاية أسطورة الجيش الذي لا يقهر. كلام باراك لم يأتِ لينقذ الفلسطينيين، بل لينقذ الكيان من نفسه. لكن التاريخ علمنا أن الأنظمة التي تصل إلى هذه المرحلة من التناقض، تكون قد حفرت قبرها بيدها. والباقي… مسألة وقت فقط.
