سودان تمورو:
تحالف هشّ على رمال متحركة، تفرض عليه الجغرافيا واقعًا لا يرحم والتاريخ دروسًا لا تُغفل. لم يكن ما حدث في “أم دحيليب” مجرّد تحوّل عسكري عابر، بل كان مؤشّرًا صارخًا على هشاشة العلاقة بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، تحالفٌ يبدو في ظاهره تنسيقًا عسكريًا، لكنه في جوهره تناقضٌ استراتيجي لا يمكن أن يصمد أمام أبسط اختبارات الميدان.
هذا التحالف يشبه علاقة مصلحية بين خصمين يحمل كل منهما أجندة مختلفة، وغاية متناقضة. فالحركة الشعبية، بحكم تركيبتها الأيديولوجية والجغرافية، ليست تنظيمًا ثوريًا يسعى لاكتساح السلطة في الخرطوم، بل هي حركة تنشد الانعزال في حدود السيطرة على مناطق جنوب كردفان، وتسعى لإقامة شكل من أشكال الحكم الذاتي ضمن رقعة جغرافية ضيقة. أما الدعم السريع، فهو كيان عسكري متمرد بطموح مفتوح وشهية لا تشبع، لا تعترف بالحدود ولا تؤمن بتوازنات القوى، بل يلهث خلف بسط النفوذ بأي وسيلة، وفي أي اتجاه.
حين تتباين الرؤى إلى هذا الحد، يصبح التحالف عبئًا تكتيكيًا لا فرصة فيه للاستمرار، بل يتحوّل إلى مصيدة متبادلة. الدعم السريع يرى في الحركة الشعبية حليفًا يمكن توظيفه لتعميق ضرباته على الجيش السوداني في مناطق جنوب كردفان، بينما ترى الحركة الشعبية في الدعم السريع مظلة مؤقتة تساعدها في تحقيق بعض المكاسب، لكنها سرعان ما ستكتشف أن هذا “الدرع” جلب معها لعناتٍ أكثر من الحماية.
ما جرى في “كالوقي” وما تبعه من استعادة الجيش لقرية “أم دحيليب” يثبت أن الجيش السوداني يتعامل مع هذا التحالف كهدف مزدوج، وأنه يستخدم تقدماته ليس فقط كمنجز عسكري، بل كأداة تفكيك سياسي تُربك صفوف خصومه. فالجيش يدرك أن الضغط العسكري على مناطق نفوذ الحركة الشعبية سيضعها أمام خيارين.. إمّا الانتحار السياسي بمواصلة القتال نيابة عن الدعم السريع، أو الخروج من المشهد كقوة أضعف، خاسرةً كل أوراقها.
والأمر لا يقلّ كلفة على الدعم السريع نفسه، إذ يجد نفسه في موقع لا يُحسد عليه.. فإن قرر الدفاع عن حليفه، عليه أن يفتح جبهات جديدة تُرهقه وتشتّت قدراته، في وقت يسعى فيه للتمركز فيدارفور وغرب كردفان . وإن قرر التخلي عنها، فهو يُسجل على نفسه خيانة جديدة، تضرب ما تبقى من ثقته عند حلفائه المحتملين، وتدفع بالحركة الشعبية إلى إعادة تموضع قد يكون في صالح الجيش.
في الحسابات السياسية والعسكرية، التحالفات لا تُبنى على مواقف ظرفية ولا على عدو مشترك فقط، بل على مشروع مشترك، وهذا ما لا يجده المرء في هذا التحالف الهجين. الحركة الشعبية تبحث عن موطئ قدم في معادلة تفاوض طويلة الأمد، والدعم السريع يبحث عن موطئ سيف في معركة مفتوحة لا سقف لها. ومن هنا، فإنّ السؤال ليس “هل سينهار التحالف؟” بل “متى سيحدث ذلك؟” وكيف سيحاول كل طرف أن يخرج بأقل الخسائر.
في النهاية، لا يمكن لورقةٍ رقيقة أن تصمد في وجه ريحٍ عاتية، ولا يمكن لتحالفٍ وُلد من رحم التناقض أن ينجب نصرًا مستقرًا. ومعركة “أم دحيليب” ما هي إلا بداية النهاية لتحالف كُتب له السقوط منذ لحظة التقاء بندقيتين لا تتحدثان نفس اللغة، ولا تطلقان النار نحو نفس الهدف.
