الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارأزمة الخرطوم بين انكسار البنية وتحطم الروح

أزمة الخرطوم بين انكسار البنية وتحطم الروح

سودان تمورو:

عاد التيار الكهربائي إلى بعض أحياء أم درمان بعد أحد عشر يوماً من الظلام، لكن هذا النور الخافت لم يكن كافياً لإضاءة نفق الخرطوم الغارق في الأزمات. فالتيار الذي عاد إلى الأسلاك لم يعد إلى الأرواح، ولا إلى أحياء عانت طويلاً من انقطاع كل مقومات الحياة. فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل شريان يبقي المدينة على قيد الحياة. ومع توقفه، تعطلت المضخات، جفّت الحنفيات، تفشت الأوبئة، وتحولت الشوارع إلى مقابر مفتوحة تفوح منها رائحة اليأس.

الخرطوم اليوم ليست العاصمة التي يعرفها السودانيون، بل مدينة مجروحة، ميتة في جسدها، منهارة في بنيتها، ومنكوبة في روحها. الأزمة لم تعد أزمة طارئة، بل صارت واقعاً مزمناً. أمنٌ غائب، عصابات تتقاسم الأحياء، شوارع محطمة، وخدمات مشلولة. والصراع الذي كان في أطراف الخرطوم صار يسكن كل تفاصيل الحياة فيها.

عودة النازحين إلى العاصمة لم تعد خياراً بسيطاً، بل معادلة معقدة تتجاوز قرار العودة الطوعية. معظم من غادروا الخرطوم رتبوا حياتهم في ولايات أكثر استقراراً، أو في مخيمات خارج الحدود، وأعادوا بناء ما أمكن من استقرار نفسي واجتماعي. لا يمكن أن يعودوا إلى مدينة تحكمها الفوضى، ويفتك بها المرض، وتغيب عنها الدولة. لا أمن ولا مياه، لا كهرباء ولا صحة، لا تعليم ولا غذاء. فما الذي سيعيد أسرة لجأت إلى الأمان والتعليم والخدمات، إلى حطامٍ لا يحمل إلا الوجع؟.

الحديث عن إعادة إعمار الخرطوم يجب أن يُنتقل من الورق إلى الميدان. الشعارات لا تعيد العواصم، ولا تعمر المدن. المطلوب إرادة سياسية، لا بيانات إعلامية. يجب أن تبدأ الخطة من تأمين العاصمة: لا يمكن بناء على أرض ترتجف تحت أقدام المليشيات والطائرات المسيّرة. ثم تبدأ حملات تنظيف شاملة، تشارك فيها السلطات المحلية والمجتمع المدني. بعدها تُفتح المدارس والجامعات، لأن التعليم هو أول ضوء في نهاية النفق. ولا بد من تقديم حوافز واقعية: قروض ميسّرة، إعفاءات ضريبية، ودعم نقدي مباشر. لا أحد يعود إلى الدمار طواعية، لكن يمكن إقناعه إذا شعر بأن هناك من يشاركه الحلم بالبناء.

الخرطوم ليست مدينة كغيرها، إنها القلب الذي إذا توقف، أصاب الشلل بقية الجسد. إنها ليست فقط عاصمة سياسية، بل ذاكرة وطن، ومسرح نضالات، ومركز ثقافي وشعبي وإنساني. التخلي عنها هو تخلي عن رمزية الدولة ذاتها. وكل يوم تمضي فيه الخرطوم في هذه الحالة، هو يوم تُفقد فيه الدولة جزءاً من شرعيتها.

التيار عاد، نعم. لكن الأمل ما زال مقطوعاً. وما لم تعُد الدولة بكاملها إلى الخرطوم، فإن عودة الكهرباء لن تُضيء أكثر من أعمدة خاوية، وليلٍ لا ينام فيه أحد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات