سودان تمورو:
حين تُغلق المدارس، وتحترق المستشفيات، وتُقطع الطرق، ويُجبر المواطن على الفرار من منزله، فإننا لا نتحدث عن حربٍ بالمعنى العسكري، بل عن مشروع تدميري شامل، تتبناه ميليشيا مسلحة باسم “الدعم السريع”، وتنقله من مدينة لأخرى كجائحة لا تترك خلفها سوى الرماد.
في الواقع، لا حاجة لتحليل بيانات الميليشيا أو الاستماع لتصريحاتها المتلفزة، فالأرض تتحدث بصوت أعلى. المناطق التي اجتاحتها قوات الدعم السريع تحوّلت إلى نماذج ميدانية للفشل الإنساني والمؤسسي. مدارس تُحوّل إلى ثكنات، مستشفيات تُنهب أو تُقصف، بنى تحتية تُفكك عمدًا، وأسواق تُغلق بعد موجات من النهب والابتزاز. هذا السلوك لا يمثل “قوة وطنية” بأي معيار، بل يعكس عقلية ميليشياوية تعتبر الأرض التي تسيطر عليها غنيمة، لا مسؤولية.
ما يحدث ليس عَرَضاً جانبياً للحرب، بل جزء من استراتيجية متعمدة لتفكيك المجتمع وتجويعه وإخضاعه. التعليم يُغتال لأن الميليشيا تدرك أنه مصدر الوعي والمقاومة. الصحة تُدمر لأن الإنسان المريض أضعف من أن يقاتل أو يحتج. الطرق تُعزل لتفتيت المجتمع وتحويل كل حيّ إلى جيبٍ محاصر. إنها خطة لشل الحياة المدنية، لا لهزيمة خصم عسكري.
رغم هذا السجل الكارثي، يظهر قادة الدعم السريع من خلف شاشات الإعلام، ويتحدثون عن “السلام” و”الوحدة”. الباشا طبيق، مستشار قائد هذه القوات، دعا مؤخرًا السودانيين إلى “الاصطفاف الوطني” و”نبذ الفتنة”، وكأن من أشعل الحرب، ودمّر المدن، وهجّر الملايين، بات يملك سلطة أخلاقية للحديث عن السلام. مثل هذه التصريحات تكشف إما انفصالاً تاماً عن الواقع، أو محاولة بائسة لإعادة تدوير سردية متهالكة، فقدت كل مصداقية.
الحقيقة أن الدعم السريع لم يكن يومًا قوة نظامية ضمن مشروع الدولة، بل نشأ وتوسع في ظل غياب المحاسبة، ليصبح لاحقًا أداة للفوضى المنظمة. لم يقدّموا أي نموذج للحكم الرشيد في مناطق سيطرتهم، ولم يبنوا مدرسة، ولم يشغّلوا مستشفى، ولم يحموا مدنيًا. بل تحوّلت تلك المناطق إلى معازل مغلقة، بلا خدمات، بلا أمن، بلا مستقبل.
أما الشعب السوداني، فرغم جراحه العميقة، لم يفقد بوصلته. يدرك تمامًا من أوصله إلى هذه المرحلة، ويميز بوضوح بين الجاني والضحية، بين من احترف المتاجرة بالموت، ومن دفع ثمن ذلك الموت دون أن يرفع سلاحًا. كل محاولة لتجميل وجه الميليشيا أو إعادة تسويقها كجزء من الحل السياسي ستصطدم بحقائق دامغة، وبوعي جمعي متزايد لا يقبل أنصاف الحقائق.
السودان لا يحتاج إلى بيانات مكررة عن “مبادرات السلام”، بل إلى تفكيك مشروع الحرب من جذوره، ومحاسبة من تسببوا في تدمير موارده وتهجير أهله. وأول الطريق يبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها: ما تمارسه قوات الدعم السريع هو تدمير ممنهج، لا “إدارة أزمة”. وما تُطلقه من دعوات للوحدة، ليس إلا محاولة للهروب من مسؤولية الخراب.
في النهاية، الوطن لا يُبنى بالبيانات، بل بالعدل، ولا تحميه الميليشيات، بل المؤسسات. والتاريخ لن يرحم من حوّل مأساة السودان إلى مشروعٍ شخصي مدجج بالسلاح.
