الأحد, يونيو 7, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبار"الهامش"..حين تُستغل المظالم لتبرير الوسيلة!

“الهامش”..حين تُستغل المظالم لتبرير الوسيلة!

خاص سودان تمورو

لا يزال خطاب “الهامش” يُستنزف كأحد الشعارات الجوفاء في الساحة السودانية، بينما الحقيقة المُرة تكشف أن هذا الخطاب لم يعد سوى ذريعة لتمرير مشاريع السلطة، وتزيين وجوه الذين اختاروا طريق المليشيات والعنف بدلًا عن التنافس السياسي الشريف. إعلان تشكيل “تأسيس” برئاسة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، والذي يُروّج له على أنه “انتصار للهامش”، ليس سوى إعادة إنتاج لمشروع سلطوي متهالك، قائم على نفس الأدوات التي أنهكت السودان لعقود: القوة الغاشمة، والتلاعب بالخطاب، وتزييف الإرادة الشعبية.

لم يعد “الهامش” قضية تعبّر عن المظلومية التاريخية لأطراف السودان التي ظلت لعقود خارج دائرة التنمية والاهتمام، بل تحوّل إلى سلعة سياسية تُباع وتُشترى في سوق النخبة العسكرية والانتهازيين. كل من أراد أن يجد له موطئ قدم في معادلة الحكم، صار يرفع شعار “تمثيل الهامش”، بينما الحقيقة أن ما يُقدَّم باسم “الهامش” هو مجرد غطاء لتحالفات تقوم على تقاسم الغنائم، لا على رؤية تنموية أو عدالة اجتماعية. كم من الدماء سُفكت باسم “الهامش”؟ وكم من الموارد نُهبت تحت لافتته؟ لا إجابة صادقة، لأن الشفافية ليست من سمات من يختبئون خلف هذا القناع المهترئ.

من يروّجون لتأسيس كيان كـ”تأسيس” بوصفه قطيعة مع الماضي، يتجاهلون عمداً أن هذا الكيان بُني على أساس السلاح لا الفكر، وعلى منطق الغلبة لا الحوار، وعلى زعامة لا تؤمن بالديمقراطية إلا حين تكون وسيلة لاختطاف الشرعية. من يعجز عن إقناع الناس عبر صناديق الاقتراع، يلجأ إلى البنادق. والمفارقة المرة أن معظم هؤلاء صعدوا على أكتاف الفقراء والمظلومين، ثم حكموا ذات الفقراء بالنار والحديد، بينما صعدوا هم إلى أبراج من رغد السلطة والامتيازات.

ما يزيد المشهد قتامة هو هذا الإصرار على التزييف؛ على الإدعاء بأن ما يحدث هو “تحرر للهامش” و”تمكين للمهمشين”، بينما الحقيقة تقول إن من يسيطرون على هذه المنصات الجديدة لم يتحدثوا يومًا بصدق مع الناس، ولم يعترفوا علنًا بأن هدفهم هو السلطة لا العدالة، والثروة لا التنمية. إنهم يدّعون النضال نيابة عن الفقراء بينما يعقدون الصفقات في فنادق الخارج، ويطلبون الدعم باسم المظلومين بينما يكدّسون الغنائم في حسابات المنتصرين.

الشفافية مفقودة تمامًا، لأن أي لحظة صدق ستكون كاشفة ومُحرجة. لو قال هؤلاء صراحة إنهم يريدون السلطة، لاختلفت معايير التقييم والمحاسبة. لكن ما دامت الخطابات مموّهة، وما دام الهامش يُستغل كقناع، فإن كل شيء يُصبح مباحًا: من القتل إلى النهب، مرورًا بتقسيم الوطن إلى مناطق نفوذ وشبكات مصالح.

وفي هذا المشهد، لا يمكن للسودان أن يستعيد عافيته. “تأسيس” لن يُؤسس لغير مزيد من الانقسام، ما لم يُبنَ على إرادة شعبية حقيقية تعبّر عن كل أطياف الوطن، وتُستعاد فيه السياسة من أيدي حَمَلة السلاح إلى أهل الرأي والفكر والكفاءة. السودان يستحق أكثر من هذه المسرحيات الدموية التي تُدار بعقلية المليشيا وشهوة السلطة. ويستحق أكثر من شعارات بالية لم تعد تخدع أحدًا.

لقد آن الأوان لأن نقولها بوضوح: تمثيل الهامش لا يكون بالبندقية، ولا بالتنصيب الذاتي، ولا بصناعة الكيانات في غرف مغلقة. تمثيل الهامش يكون بالعدالة والتنمية والخدمات، لا بالبيانات الحربية والاحتفالات الإعلامية. فليتوقف هذا العبث، لأن دماء السودانيين ليست سلّمًا نحو الحكم، والهامش ليس واجهة لمشاريع شخصية، بل جرح وطني يستحق علاجًا حقيقيًا، لا مزيدًا من الاستثمار فيه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات