سودان تمورو
في تبريره العجيب لدوافع استمرار الاشتباكات الليلية مع إيران، رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار وفي ظل وضع إقليمي بالغ الهشاشة في الشرق الأوسط، خرج علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء بتصريح صادم زعم فيه أن “وقف إطلاق النار يعني ببساطة أن تطلقوا النار على بعضكم البعض برفق أكبر”. وفي واقع الأمر، فإن ما نطق به ترامب في تعريفه للهدنة لم يكن مجرد زلة لسان عابرة، بل هو تجسيد دقيق لقاعدة راسخة ومبدأ سلوكي معتمد لدى الإدارة الأمريكية وإسرائيل، وهو ما تجلى بوضوح في النماذج الحية والشواهد الماثلة أمامنا خلال العامين ونيف الماضيين، عبر حروب المنطقة الممتدة من غزة ولبنان وصولاً إلى إيران.
بناءً على هذا الفهم، فإن مصطلح “وقف إطلاق النار” في القاموس الأمريكي والإسرائيلي لا يعني بأي حال من الأحوال الوقف التام للأعمال العدائية وإنهاء الحرب، بل يقتصر على مجرد خفض حدة النيران وتقليص وتيرتها. ولعل الاستثناء الوحيد البارز في مدى التزام واشنطن بوقف إطلاق النار خلال العام الماضي، كان في التعامل مع جماعة “أنصار الله” في اليمن، وهو استثناء تحكمه حسابات ودوافع خاصة ليس هنا مجال الخوض في تفاصيلها.
ومنذ إعلان انتهاء حرب غزة في أكتوبر من عام 2025، ظلت هذه القاعدة “الترامبية” هي الحاكمة للمشهد؛ أي الإبقاء على مستوى من النيران أقل من الحرب الشاملة، وبعيد كل البعد عن المعنى المتعارف عليه لـ “وقف إطلاق النار”. فخلال هذه الفترة فقط، سقط نحو 800 شهيد فلسطيني وأصيب الآلاف، في حالة يمكن وصفها بأنها تتجاوز مجرد “خرق الهدنة”، وتقل عن الحرب المفتوحة، لتستقر في خانة “الحرب من طرف واحد بنيران هادئة”.
ولم يكن المشهد في لبنان بمنأى عن هذه السياسة الممنهجة؛ فبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، وقبل اندلاع الحرب الأخيرة ضد إيران، شهدنا حرباً إسرائيلية من طرف واحد أسفرت عن مقتل نحو ألف لبناني، دون أن يُطلق حزب الله رصاصة واحدة.
إن ما يجري على أرض الواقع هو إحلال “حرب الاستنزاف” محل الحرب الشاملة، حيث تتواصل عجلة القتل والدمار والخراب، ولكن ليس في حيز زمني مكثف ومضغوط، بل تمتد على فترات زمنية أطول، بهدف إنهاك الخصم واستنزاف قدراته العسكرية والمجتمعية بشكل كامل.
وهذا السيناريو تكرر حرفياً مع إيران؛ فبعد سريان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل، بدأ الحصار البحري يفرض خناقه، وتحولت الاشتباكات الليلية في الأسابيع الأخيرة إلى شبه روتين يومي معتاد. فهذه الأحداث في جوهرها ليست مجرد تطورات ميدانية عابرة، بل هي نتاج مباشر لاستراتيجية “حرب الاستنزاف العسكرية والاقتصادية” المتزامنة مع الحصار، والرامية إلى فرض معادلات جديدة على الأرض تحت مظلة ما يُسمى زيفاً بـ “وقف إطلاق النار”.
ومع مرور الوقت، وإذا ما استمر هذا الوضع المتردي، وعلى افتراض عدم انزلاقه بغتة نحو مواجهة شاملة ومفتوحة، فإن الاحتمال الأرجح هو السعي لتوسيع الرقعة الجغرافية لسياسة “النيران الهادئة” أو “حرب الاستنزاف” هذه، لتتجاوز نطاق الجنوب الإيراني ومناطق البحر والجزر والمدن الساحلية، وتزحف تدريجياً نحو عمق المناطق المركزية.
