الثلاثاء, مايو 26, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارتتويج ليلى أبو العلا.. تكريم أم احتواء؟

تتويج ليلى أبو العلا.. تكريم أم احتواء؟

خاص سودان تمورو

فازت الروائية السودانية ليلى أبو العلا بجائزة PEN Pinter لعام 2025، في خطوة وُصفت بأنها انتصار لصوتٍ عربيٍّ نسائيٍّ مسلم استطاع أن يخترق جدران المؤسسة الأدبية الغربية. غير أن هذا التتويج، رغم ما يحمله من تهنئة مستحقة، لا يخلو من دلالات إشكالية، تفرض علينا طرح السؤال الصعب: هل هذا الفوز تقدير حقيقي للأدب المُلتزم الصادق، أم موافقة ضمنية على خطاب “مُهذّب” يتماشى مع الرؤية الغربية للإسلام والمهاجرين؟

لا يمكن إنكار أن أبو العلا كاتبة موهوبة، اشتغلت على مفاهيم معقدة كالهجرة والهوية والإيمان، وعبّرت عنها بلغة سردية مؤثرة، لكن الجوائز – خاصة تلك القادمة من الغرب – نادرًا ما تكون خالية من الرغبات المضمَرة. ففي تعليق لجنة التحكيم على كتاباتها بأنها “بلسم وملاذ” لم ترد فقط إشارة فنية، بل توجيه رمزي نحو نوع بعينه من الخطاب الإسلامي المقبول في الفضاء الثقافي الغربي: خطاب لا يصطدم، لا يعارض، بل يعيد تعريف المفاهيم الدينية ضمن أطر “التسامح العلماني” وحدوده.

ولعل تصريح أبو العلا بأن فوزها كامرأة مسلمة مهاجرة تكتب “من منظور ديني يستقصي حدود التسامح العلماني” يحمل مفارقة لافتة. إذ أن هذا التسامح، في السياق الغربي، لا يعني قبول الحقيقة المطلقة، بل التسليم بأن كل العقائد سواء، وكل الحقائق نسبية، وهي رؤية تتناقض مع التصور الإسلامي للحق بأنه واحد غير قابل للتجزئة. هذا التناقض لا يُغفل، بل يُعاد تأطيره باسم “الاختلاف الخلاق”، حيث يتحوّل المبدع المسلم إلى شاهد إثبات على نجاح نموذج الإسلام الليبرالي، لا إلى صوت مقاوم يُعلي من ثوابت عقيدته.

هنا تبرز معضلة معيارية في بنية الجوائز الغربية. فليست كل جائزة اعترافاً محضاً بالجودة الأدبية، بل أحيانًا تكون الجائزة في ذاتها رسالة ثقافية: تمجيدٌ لنصٍ يُظهر الإسلام مقبولاً طالما تخلّى عن صلابته العقدية، وتحوّل إلى خطاب إنساني عام، منزوعٍ من عناصر التمايز العقائدي الذي يخشاه الغرب وينبذه حين يتصل بالإسلام. لذلك لا نجد روايات تتناول الحياء كقيمة، أو الغيرة على العرض، أو نقد العلمانية تُكرَّم أو يحتفى بها، بينما تحصد الجوائز أعمال تُقارب الدين من زاوية النقد أو التفكيك أو “التحوير الهادئ”.

نحن لسنا ضد الجوائز ولا نُقلّل من الجهد الذي يبذله الكتاب في سبيل الوصول إليها، لكننا في الوقت ذاته لا نُسلم بأن الجائزة وسام على صدر الحقيقة. فكم من عمل خلا من الأدب وجانبَ المروءة، كفيلم “ستموت في العشرين”، أو نصوص عبد العزيز بركة ساكن التي لا تخلو من خرق أخلاقي صريح، نالت التصفيق والتكريم من مؤسسات غربية، لا لأنها أبدعت، بل لأنها قدمت الصورة التي يريدها الآخر عن مجتمعاتنا.

وهنا يأتي دور النُخَب الثقافية في مجتمعاتنا: أن ترفض معيار التتويج الغربي كمرآة مطلقة للحقيقة. فالإبداع الأصيل لا يُقاس بموافقة لجان التحكيم الأوروبية، بل بمقدار ما يُحدثه النص من وعي داخلي وصدق تمثيل للهوية. الكاتب الصادق لا يكتب ليسترضي، بل ليُجسد قناعاته، ويصوغ الحقائق كما يؤمن بها، لا كما يُطلب منه أن يراها. وبهذا المعنى، فإن تكريم ليلى أبو العلا لا يجب أن يتحول إلى نموذج يُحتذى إلا بقدر ما حافظت فيه على قيمها ومبادئها، لا بقدر ما نالت من التصفيق الخارجي.

فليكن واضحاً أن معايير الجوائز الأدبية الغربية ليست فقط فنية، بل ثقافية وأيديولوجية. ولذلك، فالمثقف المسلم مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى سؤال الضمير قبل سؤال التتويج: هل أكتب لأنال؟ أم أكتب لأشهد؟ وهل أُعبّر عن حقيقتي؟ أم أُعيد إنتاج ما يريده الآخر على لسان عربي مسلم “مقبول”؟

الجوائز لا تُقاس بوزن المعدن ولا بعلو المنصة، بل بمقدار ما يُبقي الكاتب على جوهر رسالته حيّاً، مهما بدا الطريق دونها أطول وأصعب. وإن أعظم التتويج هو أن نقف أمام الله وقد كتبنا ما نؤمن به، لا ما أُريد لنا أن نقوله.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات