الأربعاء, يونيو 3, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارتصحيح المسار أم تمهيد للتحالف مع القتلة؟

تصحيح المسار أم تمهيد للتحالف مع القتلة؟

خاص سودان تمورو

في بلد أنهكته الخيبات والانقسامات، لا يأتي انشقاقٌ جديد دون أن يُثير جملة من الأسئلة المصيرية، ولا يُمكن فصل بيان “تصحيح المسار” الصادر عن قيادات منشقة من حركة جيش تحرير السودان – قيادة مني أركو مناوي، عن اللحظة السودانية المأزومة. فالبيان، رغم نبرته التصالحية التي تتحدث عن العودة إلى مشروع الثورة والسلام والتحول المدني، يثير ما هو أخطر من لغته: إلى أين تتجه هذه الجماعة؟ وما الغرض الحقيقي من هذا الانفصال؟ لا يمكن تجاهل أن هذا الانشقاق يأتي في لحظة مفصلية من عمر الحرب التي تعصف بالسودان، حيث لا يُتاح فيها حيادٌ حقيقي، ولا وجود لمساحات رمادية. فالمنشقون – سواء صرحوا بذلك أم لا – يقفون اليوم أمام مفترق طرق خطير: إما الانخراط في تحالف مشبوه مع قوات الدعم السريع، أو السعي إلى التعامل مع الجيش كجهة منفصلة تسعى لإعادة التموضع والحضور، وربما التفاوض من موقع مستقل. وهنا لا بد من المصارحة: التحالف مع قوات الدعم السريع في هذا التوقيت جريمة سياسية وأخلاقية لا تغتفر. هذه المليشيا، التي شاركت في تمزيق البلاد وارتكبت فظائع لا تُعد ولا تُحصى في حق المدنيين، لا يمكن أن تكون حليفاً مشروعاً لأي جهة تدّعي أنها تسعى لتحقيق السلام. لا تُصلَح الجراح بيدٍ ملوثة بالدم، ولا تُبعث الثورة من بين ركام القرى المحروقة بأحضان من أحرقها. أما محاولة التموضع كـ”طرف ثالث” يتعامل مع الجيش أو يسوّق لمعادلة جديدة “مستقلة”، فهي محاولة لا تقل التباساً وخطورة، إذا لم تتأسس على رؤية واضحة تُدين الحرب بكل أطرافها، وتدعو إلى حل شامل يعيد الاعتبار للمدنيين ويوقف نزيف الدولة. أما أن يتحول الانشقاق إلى بطاقة ضغط أو ورقة تفاوض إضافية، فذلك لا يعني إلا إعادة تدوير نفس العبث القديم الذي أغرق السودان في هذه الدوامة. إن تكرار مشهد الانقسام داخل الحركات المسلحة بات ظاهرة مَرَضية، لا تعبّر عن تنوّع فكري أو صحوة مبادئ، بقدر ما تكشف عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها هذه الكيانات، حيث تختلط المصالح الشخصية بالمواقف الوطنية، وحيث تتحول “كعكة السلطة والثروة” إلى العامل الحاسم في كل قرار. ولذلك، فإن ما يُسمى بـ”تصحيح المسار” لا يُقاس بنوايا تُعلَن، بل بخطوات تُتخذ. وإن أرادت هذه الجماعة فعلاً أن تبرهن على مصداقية نواياها، فعليها أن تبدأ بـ: إعلان قاطع وعلني برفض التحالف مع قوات الدعم السريع، وبإدانة ما ارتكبته من جرائم. تقديم رؤية واضحة للسلام الحقيقي لا تكتفي بترديد الشعارات، بل تعالج جذور الحرب وأسباب الانفجار. القطع مع ثقافة التشظي والانشقاق التي ساهمت في إنهاك الثورة وإضعاف الحركات المسلحة، وتحويلها من أدوات تغيير إلى كيانات مشلولة تتقاتل على الفُتات. الناس في السودان لم يعودوا يحتملون مزيداً من “الفواصل الدرامية” في مسلسل الانقسامات السياسية. لقد تعبوا من تحويل تضحياتهم إلى أوراق مساومة، ومن رؤية الشعارات تُستعمل غطاءً لمشاريع باطنها الأطماع ومظهرها الوطنية. إن أي انشقاق لا ينبني على مراجعة جذرية، ولا يحمل في طيّاته استعداداً لدفع الثمن من أجل مصلحة الوطن، سيظل مشبوهاً مهما تجمّل. وإذا لم توضح هذه الجماعة فوراً وبشكل لا يقبل التأويل موقفها من قوات الدعم السريع ومن الحرب نفسها، فإن بيانها لن يُسجَّل في خانة “تصحيح المسار”، بل في قائمة الانشطارات التي تمهّد للجريمة، وتمنح القتلة غطاءً جديداً باسم السلام. السودان لا يحتاج إلى بيانات مكرورة، بل إلى ضمير حيّ لا يسكت حين تُنتهك البلاد، ولا يتواطأ حين يُذبح المواطن باسم “التحالفات”. وكل من لم يحسم موقفه بعد من القاتل والمقتول، فقد اختار موقعه الحقيقي، مهما ادّعى من شعارات.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات