سودان تمورو
من يتأمل مشهد العلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة يدرك أننا أمام مسرحية مكررة تُعرض على خشبة السياسة العالمية بلا كلل ولا ملل. الولايات المتحدة تلعب دور المخرج والممثل الرئيس: تنسحب متى شاءت من أي اتفاق، تنقض العهود كما تشاء، وتفرض عقوباتها الأحادية بلا استئذان من أحد. وفي الخلفية يقف الشريك الأوروبي متفرجاً في البداية، صامتاً في لحظة الحسم، ثم ما يلبث أن يرتدي ثوب المشرّع والمعاقِب عندما تحاول الدول النامية أن تدافع عن حقها في البقاء والسيادة.
إنها الخديعة الكبرى التي تتجدد مع كل اتفاق. الدول النامية تلتزم بما وُقّع عليها، تقيّد برامجها، وتفتح منشآتها للتفتيش والرقابة، وتتنازل عن جزء من سيادتها، على أمل أن تفتح الأبواب أمامها نحو الاعتراف الدولي. لكن ما إن تنسحب الولايات المتحدة حتى تتحول الالتزامات إلى قيد خانق: العقوبات تعيق أي استفادة، المصارف تُشل، والاستثمارات تتبخر، بينما الطرف الذي التزم يظل مكبلاً وحيداً في ساحة تُحركها واشنطن كما تشاء.
وعندما تدرك هذه الدول حجم الخديعة، فتقرر أن تستعيد حقها الطبيعي في تطوير برامجها واستئناف مساراتها المستقلة، تنهض أوروبا فجأة من سباتها، لا لتحاسب من أشعل النار أولاً، بل لمعاقبة من حاول أن يطفئها بنفسه. هنا يتبدد الوهم تماماً: العدالة التي يتحدث عنها الغرب ليست سوى عدالة انتقائية، تشرّع للأقوى خرق القوانين وتدين الأضعف حينما يحاول النجاة.
أين كانت أوروبا حين انسحبت أمريكا من الاتفاقيات؟ أين كان حديثها عن “حماية القانون الدولي” عندما فُرضت العقوبات الأحادية التي خنقت اقتصادات كاملة وأفقرت شعوباً بريئة؟ ولماذا لا تتحرك إلا عندما تقرر الدول النامية أن تتحرر من قيد الظلم المفروض عليها؟ أليس في هذا الكيل بمكيالين شهادة واضحة على أن ما يُسمى بالعدالة الدولية ليس إلا أداة سياسية في يد الكبار، تُستخدم لتركيع من يرفض الانصياع؟
لقد آن للدول النامية أن تدرك أن استمرارها في الرهان على هذه العدالة المزعومة هو استنزاف للوقت والموارد. المسرحية لن تتوقف إلا إذا تحركت هذه الدول لتكتب نصاً جديداً لعلاقات دولية أكثر توازناً، قائم على الاحترام المتبادل لا على الإملاء والهيمنة. إن بناء نظام عالمي عادل لن يتحقق بالشكوى من مشاهد المسرحية، بل بكسر قواعدها ورفض أدوار الضحية التي فُرضت علينا.
لقد صار المشهد مكشوفاً، والجمهور لم يعد يصفق. فإما أن تنتهي هذه الدراما الهزلية ببزوغ نظام جديد أكثر إنصافاً، أو يظل العالم أسيراً لمسرحية متكررة لا يربح فيها سوى مخرجها وبطلها الأمريكي، ويظل البقية مجرد كومبارس في مسرحية الظلم المعولم.
