الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالعقوبات الأمريكية.. وسام شرف لا وصمة عار!

العقوبات الأمريكية.. وسام شرف لا وصمة عار!

خاص سودان تمورو

مرة أخرى تكشف الولايات المتحدة عن وجهها الحقيقي، حين تُعاقب من يرفض الخضوع لها ويصرّ على استقلال قراره الوطني. العقوبات الأخيرة التي طالت وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم وكتيبة البراء بن مالك لم تأتِ نتيجة فساد أو خيانة للوطن، بل جاءت لأنهم تجرأوا على مدّ أيديهم لإيران، خصم واشنطن الأزلي، ورفضوا أن يكون السودان تابعًا في ركب الإمبراطورية الأمريكية. وبهذا تكون العقوبات شهادة شرف لا وصمة عار، ووسامًا يُعلّق على صدور المستهدفين بها لأنهم اختاروا الكرامة على التبعية، والسيادة على الانكسار.

واشنطن التي نصّبت نفسها شرطياً للعالم لا تعاقب الأفراد بقدر ما تعاقب الرموز الإسلامية التي ترى فيها الخطر الأكبر على مشروعها الاستعماري الجديد. فاستهداف جبريل إبراهيم ليس لأنه وزير مالية فقط، بل لأنه رمز من رموز الإسلاميين الذين ما زالوا شوكة في حلق الغرب منذ عهد البشير، وأحد الذين حافظوا على خطٍ وطني إسلامي رافض للوصاية الأجنبية. أما كتيبة البراء بن مالك، فاتهامها بتلقي الدعم الإيراني ليس إلا ذريعة، بينما حقيقتها أنها قوة تدافع عن السودان في وجه مشروع التقسيم والتفتيت الذي تقوده واشنطن عبر وكلائها.

إن العقوبات الأمريكية لا تحمل في طياتها عدلاً ولا حرصًا على المدنيين كما تزعم، بل هي أداة للضغط النفسي والسياسي، تُمارس على المسؤولين في أشخاصهم لشلّ إرادتهم، ولإرغامهم على الانصياع للإملاءات الخارجية. لكنها في المقابل تمنح المستهدفين بها مكانة عالية في وجدان شعوبهم، فهم لم يُعاقَبوا لأنهم سرقوا قوت الناس أو باعوا أوطانهم، بل عوقبوا لأنهم رفضوا أن يكونوا أدوات للهيمنة. وما أعظم أن تُعاقَب لأنك قلت “لا” في زمنٍ اعتاد فيه كثيرون الركوع.

إن استهداف الإسلاميين في السودان ليس حدثًا معزولاً، بل هو جزء من الحرب الأمريكية المفتوحة على كل ما هو إسلامي. فمن فلسطين إلى مصر، ومن إيران إلى السودان، تضع واشنطن الإسلاميين في خانة “الخطر الأكبر”، لا لشيء سوى أنهم يرفضون منظومتها القيمية والسياسية، ويؤمنون بقدرتهم على بناء نموذج حضاري بديل. لذا فكل من يحمل هذه الراية يُصنّف عدوًا حتى يثبت العكس.

لكن المدهش أن واشنطن لا تدرك أن عقوباتها كثيرًا ما تُنتج عكس أهدافها. فهي حين تستهدف الإسلاميين في السودان تُقرّ ضمنيًا بأنهم قوة فاعلة ومؤثرة لا يمكن تجاوزها. وحين تصفهم بأنهم حلفاء لإيران فهي ترفع من شأنهم وتربطهم بمحور مقاوم يُؤرق الهيمنة الغربية. فبدل أن تُضعفهم، تمنحهم شرعية جديدة أمام شعوبهم وأمام كل من يرفض منطق الاستكبار العالمي.

لذلك نقولها بوضوح: أهلاً بالعقوبات إن كانت ثمنًا للكرامة، وأهلاً بالقوائم السوداء إن كانت تُدرج فيها أسماء من وقفوا في وجه الإمبراطورية الأمريكية. فالتاريخ لا يخلّد من جلسوا على موائد الاستسلام، بل يخلّد من نُكّل بهم لأنهم قاوموا، ومن حوربوا لأنهم دافعوا عن سيادة بلادهم.

واشنطن أرادت أن تُهين جبريل إبراهيم وكتيبة البراء، لكنها في الحقيقة منحتهم وسامًا لا يُشترى بالمال، وسجّلت أسماءهم في قائمة الشرفاء الذين اختاروا الاصطفاف مع قضايا الأمة ضد الاستكبار والهيمنة. والسودان، الذي يُعاني اليوم حربًا ضروسًا، لا يحتاج إلى أوصياء من الخارج، بل يحتاج إلى رجال يرفضون الانكسار، حتى وإن دفعوا ثمن ذلك عقوبات شخصية أو عزلة دولية.

فلتفرض واشنطن ما تشاء من عقوبات، وليُسطر التاريخ أن في السودان رجالًا لم يبيعوا دينهم ولا وطنهم، رجالًا فضّلوا العزّة على الانكسار، والإسلام على التبعية، والكرامة على العار.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات