خاص سودان تمورو
ذكريات مثقلة بالدماء والدموع تكتنف السودانيين وهم يستقبلون عام الحرب الرابع بخيبة أملٍ كبرى في مجتمع دولي وقف مكتوف الأيدي أمام واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
ثلاث سنوات عجاف أتت على الأخضر واليابس، دمرت البنى التحتية، وأزهقت أرواح الآلاف من الأبرياء، بينما لا يزال “أمراء الحرب” يتاجرون بمعاناة شعب مغلوب على أمره، وسط تجاهل مخزٍ لأكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم باعتراف الأمم المتحدة.
شعب بين النزوح واللجوء ألف ومائة يوم ونيف، والشعب السوداني مشردٌ ما بين مخيمات النزوح ومعسكرات اللجوء، وملايين آخرون موزعون في المدن الآمنة أو في شتات الأرض ودول الجوار.
طال أمد المعاناة ولا أمل يلوح في الأفق لإنهاء هذه الأزمة التي وصفتها المنظمات الدولية بأنها “الكارثة الكبرى”.
ثلاث سنوات والمرض يفتك بالآلاف، والجوع ينهش أجساد الملايين، بينما عجز العالم عن الوفاء بالتزاماته الأخلاقية تجاه شعب يتضور جوعاً وتحاصره الأوبئة.
إن ما يثير الحزن والدهشة هو عجز منظمات العون الإنساني عن تقديم أدنى واجباتها بسبب نقص التمويل، وجشع القوى الكبرى التي تحول بوصلة الصرف نحو بنود بعيدة كل البعد عن الشأن الإنساني، وكأن العالم تجرد من فطرته البشرية.
ثلاث سنوات من العناء ولا توجد مبادرة جادة قادرة على إجبار الأطراف المتقاتلة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وفي المقابل، لم تتوقف الأطراف الداعمة للحرب عن رفد الجبهات بالسلاح والمقاتلين؛ فمن دول الجوار ومن أقصى بقاع الأرض، يتوافد المرتزقة للقتال في صفوف “قوات الدعم السريع”، وتتدفق إمدادات السلاح التي تحيل حياة الملايين إلى جحيم، في ظل عجز إقليمي ودولي مريب عن إيقاف هذا التدخل السافر، وكأن الجميع متآمرون على السودان وأهله.
و مع حلول الخامس عشر من أبريل، تعود الذكرى الكئيبة لتؤكد فشل العالم في “اختبار السودان”. فالتقارير المتخصصة تشير إلى أن نحو 34 مليون شخص (أي شخصان من كل ثلاثة سودانيين) بحاجة ماسة لدعم إنساني.
ورغم الاستهداف المباشر للعاملين في المجال الإغاثي، نجح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامج الغذاء العالمي في الوصول إلى 3.5 مليون شخص شهرياً، لا سيما في مناطق دارفور وكردفان التي تأكد وقوع المجاعة فيها.
“إيفا هيندز”، رئيسة الاتصالات في اليونيسف، تصف الواقع بأنه “يزداد قتامة ساعة تلو الأخرى”؛ حيث قُتل 245 طفلاً في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام فقط. ويتوقع أن يواجه 4.2 مليون طفل سوء تغذية حاد، منهم 825 ألفاً يواجهون خطراً مميتاً ما لم يتوفر علاج عاجل.
ومع خروج نصف المباني المدرسية عن الخدمة، حُرم 8 ملايين طفل من حقهم في التعليم. والمفارقة المؤلمة أن تكلفة إنقاذ حياة طفل واحد تعادل 120 دولاراً فقط، وهو مبلغ يقل عن تكلفة ملء خزان وقود لسيارة واحدة في بعض دول العالم!
ولا تكتمل المأساة دون ذكر قضية المفقودين؛ إذ أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن 11 ألف شخص على الأقل فقدوا منذ اندلاع الحرب، بزيادة قدرها 40% عن العام الماضي وحده وخلف هذه الأرقام عائلات تعيش عذاباً نفسياً مستمراً بانتظار خبر عن أحبائها الذين انقطعت بهم سبل التواصل بسبب تدمير شبكات الاتصال.
كما أن 80% من البنى التحتية الصحية باتت معطلة تماماً، مما يجعل السودان ساحة مكشوفة للموت والمرض.
إن الشعب السوداني لا يحتاج لبيانات الشجب والإدانة، بل بحاجة إلى تحرك فوري وجاد لوقف العنف، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات للمجتمعات المنكوبة، وتمويل الاستجابة الإنسانية بشكل حقيقي لا وعود فيه. فلك الله يا شعبي الصابر.
