خاص سودان تمورو
في غمرة احتفالات الكنائس الشرقية بعيد القيامة المجيد، وفي وقتٍ تضيق فيه الأرض بما رحبت على ملايين السودانيين، أطلق البابا لاون الرابع عشر، بابا الفاتيكان، نداءً إنسانياً مدوياً من ساحة القديس بطرس. ولم يكن النداء مجرد تقليد طقسي، بل كان توصيفاً دقيقاً لما أسماه بـ “المأساة اللاإنسانية”، حيث جدد مطالبته بإسكات صوت البنادق فوراً، وتغليب لغة الحوار الصادق لإنهاء أطول ليلٍ مرّ على تاريخ السودان الحديث.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يضع فيها الحبر الأعظم إصبعه على الجرح السوداني؛ فقد سبق وأن أبدى حزنه العميق إزاء التقارير الواردة من مدينة الفاشر ، واصفاً ما جرى هناك من مذابح جماعية واستهداف ممنهج للمدنيين بـ “الوحشية المروعة”.
إن توصيف البابا لما يحدث بأنه “عنفٌ أعمى” يستهدف النساء والأطفال، ليس مجرد تعاطف عابر، بل هو إدانة أخلاقية صريحة لعرقلة المساعدات الإنسانية واستخدام الجوع والترويع كسلاح في الحرب. فالسودان اليوم، وبشهادة الأمم المتحدة، يعيش “الأسوأ إنسانياً في العالم”، في ظل نزاعٍ دامٍ مزق النسيج الاجتماعي وخلف ملايين النازحين والقتلى.
وبينما يُثمن السودانيون عالياً مواقف الفاتيكان، إلا أن سقف آمالهم يتجاوز مجرد “التضامن اللفظي” أو الذكر في المناسبات الدينية والخطابات الرسمية.
إن ما ينتظره أهل السودان من قداسة البابا هو:
- توظيف الثقل الروحي والدولي: ممارسة ضغوط حقيقية على الفاعلين الدوليين والإقليميين لوقف إمدادات السلاح وتمويل النزاع.
- تفعيل الدبلوماسية الإنسانية: جعل القضية السودانية حاضرة بصفة دائمة على طاولة القرار العالمي، وليس كملف ثانوي يُفتح ويُغلق حسب مقتضيات التقويم.
- كسر طوق العزلة: التدخل عبر القنوات الكنسية والدولية لفتح ممرات إغاثية عاجلة تنقذ ما يمكن إنقاذه في المناطق المحاصرة.
ويظل السؤال المعلق في أذهان الملايين من ضحايا الحرب: هل ستتحول مناشدات البابا لاون الرابع عشر إلى حراك دولي ملموس يكسر جمود الأزمة المعقدة؟ أم أن مأساة السودان ستظل حبيسة “البروتوكولات” والصلوات التي تنتهي بانتهاء مراسيم الساحة المقدسة؟
إن السودانيين، الذين أرهقتهم شهور الحرب الطويلة، لا يبحثون عن رثاء، بل يبحثون عن إرادة دولية توازي حجم معاناتهم. والكرة الآن في ملعب الفاتيكان والقوى الكبرى؛ فإما استجابةٌ تاريخية تليق بمكانة الحبر الأعظم، أو خيبة أمل جديدة تُضاف إلى سجل انكسارات هذا الشعب الصابر.
