الثلاثاء, مايو 26, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباراللاجئون السودانيون.. مواجهة تحديات ما بعد الحرب

اللاجئون السودانيون.. مواجهة تحديات ما بعد الحرب

سودان تمورو:

تُعدّ الحرب التي شهدها السودان واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة في تاريخه الحديث، إذ لم تقتصر تداعياتها على الدمار المادي والنزوح الجماعي، بل امتدت عميقاً إلى النفس البشرية، مخلفةً جراحاً نفسية غائرة لا تُرى بالعين، لكنها تُثقل القلوب والعقول.

فمعاناة الأطفال الذين فقدوا الأمان، والأمهات اللواتي شهدن الفقد والتهجير والاغتصاب، والشباب الذين تكسرت أحلامهم على صخور الواقع المرير، جميعهم يعيشون اليوم صراعاً داخلياً مع الخوف والقلق والاكتئاب وصدمات ما بعد الحرب.

ويمثل فهم الآثار النفسية لهذه الحرب خطوة أساسية نحو تحقيق التعافي المجتمعي وإعادة بناء الإنسان السوداني، باعتباره حجر الأساس لأي نهضة أو استقرار قادم.

وانطلاقاً من أهمية هذا الجانب، التقت (سونا) عدداً من علماء النفس والاجتماع لتشخيص الانعكاسات النفسية على المواطنين الذين اضطروا للنزوح داخلياً أو اللجوء إلى دول الجوار، حيث يعيش السودانيون اليوم بين مطرقة النزوح وسندان الأمل في العودة..

النزوح واللجوء.. صدمة مستمرة

تقول الاخصائية النفسية نجلاء هاشم محمد معالج بمستشفى الامل بالرياض لـ (سونا) إن الحرب تُعدّ سبباً مباشراً وقوياً لظهور اضطراب ما بعد الصدمة، الناتج عن النزوح واللجوء، والذي يترك آثاراً نفسية متفاوتة حسب الفئات العمرية.

فالأطفال – كما تقول – يعانون من صدمات نفسية وعاطفية تؤثر على نموهم وتطورهم، إلى جانب صعوبة التكيّف مع البيئات الجديدة، وتفكك العلاقات الاجتماعية، والقلق المستمر، واضطرابات النوم، وتراجع الأداء الأكاديمي، وأحياناً الميل إلى العنف أو الانطواء.

أما كبار السن، فيواجهون ضغوطاً إضافية مثل التفكك الأسري وفقدان مصادر الدخل والهوية المجتمعية، مما يخلق شعوراً بالعزلة والوحدة وسرعة الانفعال وصعوبة الاندماج في البيئات الجديدة، مع اضطرابات سلوكية تنبع من الإحباط والغضب الداخلي.

ويختلف التأثير على فئة الشباب باختلاف مرونتهم النفسية وقدرتهم على التحمّل، إلا أنهم بدورهم يظلون عرضةً للقلق والاكتئاب واضطرابات السلوك والتوتر الدائم.

الحرب وانعكاسها على سلوك الأطفال

من جانبها تقول الناشطة الاجتماعية هناء موسى ان “الحرب في السودان مأساة حقيقية ونزيف مستمر يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي، الأطفال فقدوا إحساسهم بالأمان ويواجهون الخوف والعنف يومياً، مما يؤثر في نموهم النفسي والعقلي، ويجعلهم في حاجة ماسة إلى الدعم النفسي والتعليمي.”

وفي منحى التعامل مع الأطفال المتأثرين بالصدمات توضح الاخصائية النفسية نجلاء هاشم أن الأطفال المصابين باضطراب ما بعد الصدمة يحتاجون إلى رعاية خاصة تشمل:

إشراف مختصين نفسيين واجتماعيين لتشخيص الحالة ووضع خطة علاج مناسبة.

تخصيص حوار يومي للطفل يتراوح بين 5 إلى 10دقائق للتعبير عن مشاعره تجاه الحرب.

استخدام الرسم والفنون كوسيلة للتعبير عن الصدمة لدى الأطفال غير القادرين على التحدث.

الحفاظ على الهدوء الأسري والابتعاد عن الصراخ أو المقارنة أو العقاب.

منح الطفل مساحة آمنة عند نوبات الغضب أو القلق، مع إشراك الأسرة الممتدة في تقديم الدعم العاطفي.

شهادات ميدانية

تقول آمنة أحمد الأمين – إحدى العائدات إلى الخرطوم “رغم فقدان منازلنا ومزارعنا، إلا أن وجود الأقارب والجيران أعاد إلينا شيئاً من الأمان وخفف عنا الضغوط النفسية، وإن ظل القلق يرافقنا يومياً”.

أما حسن عبد الله من شمال كردفان فيقول:

“العودة إلى الديار رغم الدمار أفضل من البقاء في مناطق اللجوء، لكن غياب الخدمات الأساسية يزيد من الضغوط النفسية ويجعل الاستقرار صعباً”.

دور الدولة والمجتمع

يشير الخبراء إلى أن البيئة النفسية للعودة تتطلب دعماً مزدوجاً من الدولة والمجتمع المدني، يشمل: تعزيز الأمن والاستقرار في مناطق العودة، إعادة بناء المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، تقديم برامج للدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والبالغين و توفير فرص عمل تساعد الأسر العائدة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمعيشي.

وفي ختام هذا التقرير تشير (سونا) إلى أن الآثار النفسية للحرب على السودانيين تؤكد أن الهجرة العكسية ليست مجرد انتقال جغرافي، بل رحلة تحدٍّ نفسي واجتماعي طويلة، يعيشها المواطن بين مطرقة النزوح وسندان الأمل بالعودة.

وتبقى الطمأنينة والدعم المستدام العاملين الأساسيين لضمان عودة آمنة وكريمة، وإعادة بناء مجتمع متماسك قادر على تجاوز آثار الحرب.

فالحرب لا تخلّف وراءها ركام المدن فحسب، بل تترك في النفوس ندوباً عميقة تمتد لأجيال قادمة، والتعامل مع هذه الجوانب النفسية ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية تمس مستقبل البلاد واستقرارها.

إن دعم الصحة النفسية، وإعادة بناء الثقة، ونشر ثقافة العلاج النفسي، تمثل ركائز التعافي والإعمار، فبقدر ما نُرمم ما تهدّم في الداخل الإنساني، نؤسس لسلامٍ حقيقيٍ دائمٍ يعيد للسودان وجهه المشرق وإنسانيته الأصيلة.

سونا

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات