الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالهدنة المرفوضة… لماذا يقاوم معسكر الجيش وقف الحرب؟

الهدنة المرفوضة… لماذا يقاوم معسكر الجيش وقف الحرب؟

خاض سودان تمورو

في السودان لم تعد الحرب مجرد اشتباك مسلح بين طرفين، بل تحوّلت إلى اختبار مرير لطبيعة السلطة، ولمفهوم الدولة، ولشبكات النفوذ التي تشكّلت خلال عقود. لذلك، فإنّ الرفض المتكرر من معسكر الجيش للهدنة ليس موقفاً عابراً، ولا مناورة تفاوضية، بل هو تعبير مكثّف عن صراع أعمق من رصاصة وأبعد من ساحة معركة. إنه صراع على من يملك تعريف “الدولة” ومن يحدد مستقبلها، ومن يدفع فواتير الانتقال السياسي، ومن يخسر عند لحظة الصمت الأولى في وقف إطلاق النار.

تُدرك المؤسسة العسكرية أن الهدنة المطروحة اليوم ليست مجرّد وقف للقتال، بل اعتراف ضمني بالمعادلة الراهنة التي فرضتها الحرب. وبالنسبة لها، فإنَّ هذه المعادلة غير مقبولة لا عسكرياً ولا سياسياً، لأنها تُبقي قوات الدعم السريع كقوة موازية، وتجمّد خططاً تعتبرها قيادة الجيش مسألة وجود: تفكيك أو دمج المليشيات، وإعادة بناء سلطة الدولة المسلحة تحت قيادة واحدة. لقد اهتزّت التراتبية العسكرية طوال سنوات بوجود قوات ذات استقلال مالي وتنظيمي وقتالي، ولذلك ينظر الجيش إلى أي هدنة الآن كعودة إلى الوضع المشوّه الذي تفجرت الحرب لإزالته أصلاً.

ثمّة بُعد آخر أكثر حساسية يتعلق بالقيادة العسكرية نفسها. فالحرب، على كل قسوتها، وضعت الجيش في مركز السلطة دون منافس، ومنحته دور “المنقذ” في خطاب سياسي وإعلامي واسع. أما الهدنة، فهي تعني بدء العدّ التنازلي لعودة المسار المدني، وعودة الأسئلة المؤجلة حول الإصلاح، والمحاسبة، وتفكيك النفوذ الاقتصادي، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية نفسها. وهذه استحقاقات لا تريد القيادة التعامل معها الآن، وربما ترى في الهدنة تهديداً مباشراً لموقعها وامتيازاتها وشبكات مصالحها.

تتشعّب جذور الرفض أيضاً في المكوّن السياسي الحليف للجيش، خصوصاً التيار الإسلامي والقوى المرتبطة بالمؤتمر الوطني. بالنسبة لهؤلاء، فإنّ أكثر ما يُخيفهم ليس الحرب، بل ما سيحدث بعد إيقافها. فثمة مسار دولي وإقليمي يضغط لإبعادهم عن المشهد السياسي المقبل، ما يجعل استمرار القتال ورقةً وجودية يلوّحون بها لضمان مقعدهم على طاولة مستقبل السودان. الهدنة هنا ليست توقفاً عن القتال، بل قبولاً بشروط سياسية يرون فيها تهديداً مصيرياً.

أما حركات دارفور المسلحة، فقد تحوّلت بفعل اتفاقات السلام والتموضع العسكري والاقتصادي إلى شريك نافذ في الدولة. امتيازاتها السيادية والاقتصادية جعلتها جزءاً عضوياً من بنية السلطة، لا مجرد فصيل مسلح. ومع سيطرة الدعم السريع على معظم دارفور، فإن أي هدوء الآن يهدد مواقعها ونفوذها ويُدخلها مفاوضات من موقع ضعف. وبذلك، يصبح استمرار الحرب بالنسبة لها ليس خياراً أيديولوجياً، بل دفاعاً عن المكاسب التي منحها لها الاتفاق والواقع السياسي بعد 2021.

ما يجعل الهدنة “مرفوضة” إذن، ليس كراهية للسلام، بل خوف من نتائجه. فوقف إطلاق النار، في نظر معسكر الجيش، ليس نهاية الحرب، بل بداية معركة أكثر حساسية: معركة السياسة. هناك من يخشى فقدان السلطة، ومن يخشى المحاسبة، ومن يخشى التهميش، ومن يخشى أن يجد نفسه خارج المشهد لحظة إعلان الصمت.

وهكذا يقف السودان عند مفترق خطير: حرب لا تُربح وسلام لا يُقبل. هدنة تُخشى نتائجها كما تُخشى نيران المدافع. وكل طرف يعلم أن لحظة التوقف ستعيد ترتيب الطاولة بطريقة قد تقتلع جذوراً وامتيازات وشبكات نفوذ بناها عبر سنوات. لذلك، لن يصبح وقف الحرب ممكناً إلا عندما تتغير موازين القوى جذرياً، أو عندما يتجرأ السودانيون على صياغة عقد سياسي جديد لا يقوم على إقصاء أحد، ولا على تفصيل السلطة على مقاس طرف واحد، بل على إعادة تعريف الدولة نفسها، وسلطتها، وسلاحها، وهويتها.

حتى ذلك الحين، ستظل الهدنة مطلب المجتمع، وهاجس القوى السياسية، ومصلحة الإقليم… لكنها ستظل أيضاً بالنسبة لمعسكر الجيش خطوة مكلفة سياسياً وتنظيمياً ووجودياً. فهذه ليست حرباً يمكن إنهاؤها بتوقيع، بل صراعاً يحتاج إلى إعادة بناء المشهد من جذوره.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات