سودان تمورو:
الأصول والمسلّمات الوجوديّة للنظريّة الإسلامية في نظام العلاقات الدولية
على الرغم من أن البنى والمرتكزات الوجوديّة العامة للفكر الإسلامي تنعكس بطبيعة الحال على حقل «نظام العلاقات الدولية»، فإن هذا المبحث يركّز على تلخيص الدلالات المباشرة لتلك المرتكزات ضمن علم ونظرية «النظام الدولي الإسلامي». وتمثّل هذه المبادئ الوجوديّة مجموعة من المسلَّمات والافتراضات التي يمكن أن تُبنى عليها نظرية إسلامية في العلاقات الدولية، وهي مما فصّلتُ فيه في موضع آخر، وليس هذا الكتاب معنياً بالتوسّع فيه. ويمكن تلخيص أهم هذه الأصول الوجوديّة في النقاط الآتية:
- الواقعيّة التعدديّة
تعني الواقعية في الوجوديات الإسلامية للنظام الدولي أنّ الظواهر الدولية والنظام الدولي نفسه حقائق اجتماعية قائمة، وليست معطيات ذهنية محضة أو تصوّرات خيالية لا أثر لها في الواقع. فالعالم الدولي ليس عالمًا مادّيًا محسوسًا فقط، بل يتجاوز الظواهر المادية إلى عناصر غير مرئية وغير محسوسة تساهم في تشكيل الواقع الدولي.
إن كون «الدولة» أو «النظام الدولي» بناءات اعتبارية واجتماعية لا ينفي أن لها وجودًا واقعيًّا وتأثيرًا علّيًا على حياة المجتمعات والعلاقات الدولية. وتختلف هذه البنى الاعتبارية في مدى استقرارها وقوتها؛ فبعضها راسخٌ وقويّ، وبعضها هشّ ومؤقّت، لكن الجميع يظلّ جزءًا من واقع اجتماعي لا يمكن إنكاره.
وبناءً على نظرية «التشكيك الوجودي» في الحكمة المتعالية، فإنّ الوقائع الدولية تتوزّع على مراتب ومستويات متعدّدة من الوجود؛ فظاهرة مثل «الدولة» أو «الحرب» تمتلك درجات متفاوتة من الشدّة الوجودية. ويؤثر في قوة وجودها عوامل مثل: مستوى القبول العام، التاريخ، الاستمرارية، والمرجعية التي تستند إليها.
- الجوهريّة الحدّية (Minimal Essentialism)
يقصد بالجوهريّة أنّ للظواهر الدولية ماهيةً وخصائصَ معرفية ثابتة تميّزها وتحدد هويتها، بحيث لا يمكن لهذه الظواهر أن تفقد تلك الخصائص دون أن تتبدّل حقيقتها. فالأمم والمجتمعات والدول تملك صفات مشتركة مستمرة عبر الزمن تضعها في فئة واحدة وتميّزها عن غيرها.
ويهدف المنهج الجوهري إلى الكشف عن الخصائص الحقيقية المستمرة للظواهر الدولية «كما هي في ذاتها». ومن هنا تتداخل الجوهريّة مع مبدأ «العليّة الصوريّة»، إذ إن معرفة جوهر الظاهرة تُفضي إلى معرفة علتها الصوريّة.
لكن الجوهريّة في الظواهر الاجتماعية أكثر مرونة منها في الظواهر الطبيعية؛ إذ إن الظواهر الدولية قابلة للحركة الجوهرية والتطور. ومع ذلك، فإن التغيّر لا يلغي وجود عناصر جوهرية ثابتة. وهذا ما يسمّيه ألكسندر ونت «الجوهريّة الحدّية»، أي وجود حدّ أدنى من الصفات الثابتة في الظواهر الاجتماعية رغم تغيّرها التاريخي.
- التعدديّة العِلّية
وفقًا للرؤية الوجودية الإسلامية، يخضع النظام الدولي لمبدأ العليّة، لأن منشأ الظواهر الاعتبارية يعود إلى حقائق تكوينية خارجية. وبما أن هذه الحقائق بدورها معلولة لعلّة تامة، فإن الظواهر الدولية تتبع نظامًا علّيًا عامًا.
وتقوم الوجودية الإسلامية على مبدأ العِلّية الطولية والمتعدّدة، ما يعني أنّ الظواهر الدولية تُنتجها جملة من العلل المتراكبة: الفاعليّة، الماديّة، الصوريّة، والغايات. وهذا يميّز النظرية الإسلامية عن التفسيرية الراديكالية التي تنكر العليّة، وعن الوضعية التي تحصرها في العلّة الميكانيكية.
وعليه، فالظواهر الدولية ليست حصيلة القوى المادية فقط، بل تتشكّل أيضًا بفعل الأفكار والمعايير والأيديولوجيات (علّة مادية-معرفية)، وبفعل الترتيبات المؤسسية (علّة صورية)، وبفعل الغايات التي تسعى إليها الجماعات الإنسانية (علّة غائية).
أمّا الغاية النهائية وفق الرؤية الإسلامية، فهي حركة النظام الدولي نحو «الاستكمال» و«الوحدة الإنسانية» وتشكيل «مجتمع عالمي» واحد، نتيجة اشتراك البشر في الفطرة والقيم والغاية النهائية.
- الإرادة والفاعليّة: مكانة الإنسان والفاعل الدولي
يؤكد الأساس الوجودي الإسلامي على أنّ الإنسان كائن مختار يمتلك الإرادة والقدرة على الفعل في التاريخ. وبناءً عليه، فإن الفواعل الدولية—أفرادًا كانوا أو جماعات أو دولًا—لا يخضعون حتميًا لبنية النظام الدولي، بل يمتلكون القدرة على تغييره.
ولا تتعارض العليّة الإسلامية مع مفهوم الإرادة؛ إذ إن الإرادة عنصر من عناصر العلّة التامة. كما لا تتعارض الفاعليّة الإنسانية مع المشيئة الإلهية، لأنّ الله هو العلّة بالذات، بينما تأتي أفعال البشر في طول العلّة الإلهية لا في عرضها.
وتعكس الآية الكريمة: «إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (الرعد: 11) هذا التكامل بين الإرادة الإنسانية والعليّة الإلهية.
- التفاعليّة: التكوّن المتبادل بين البنية والفاعل
كما أن العلاقة بين البنية والفاعل داخل المجتمع علاقة تكوينية متبادلة، فإن ذلك ينطبق على المستوى الدولي أيضًا. فالهويات الجمعية للأمم تتكوّن من خلال الفعل الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تُسهم في تشكيل النظام الدولي وإعادة إنتاجه.
النظام الدولي ليس مجرد بيئة خارجية مفروضة على الفاعلين، بل هو نتاج تفاعل مستمر بين أفعالهم وقراراتهم. ورغم أن النظام الدولي يمتلك مستوى من الوجود الموضوعي، فإنه لا يبتلع الفاعلين ولا يلغي استقلاليتهم.
وبما أنّ الفاعلين الدوليين واعون وأصحاب إرادة، فهم قادرون على إعادة تشكيل البنية القائمة، أو حتى إسقاطها واستبدالها ببنية جديدة.
- العقلانيّة المزدوجة للفاعلين الدوليين
ترى الوجودية الإسلامية أن الإنسان وحدة غير قابلة للتجزئة بين العقل المصلحي والعقل القيمي. ولذلك فإن الفاعلين الدوليين لا يتخذون قراراتهم بناءً على «العقلانية الأداتية» فقط (منطق الربح والخسارة)، بل يستندون أيضًا إلى «العقل الأخلاقي» و«العقل الوجودي» و«العقل القيمي».
فالإنسان الفطري قد يحجبه العقل المصلحي عن قرار ما، لكن العقل الأخلاقي يمنعه من اتخاذ قرار مخالف للقيم. وكلما ابتعد الإنسان أو المجتمع عن فطرته، تضاءل تأثير العقل الأخلاقي وهيمنت العقلانية الأداتية.
وعليه، فالعقلانية في النظرية الإسلامية عقلانية مزدوجة:
- العقلانية الأداتية (Instrumental Rationality).
- العقلانية الأخلاقية-الفطرية (Moral/Fitrah Rationality).
- مركزية الأمّة: تعدّد العوالم
على الرغم من اشتراك البشر جميعًا في الفطرة بوصفها حقيقةً إنسانيةً جامعة، فإنّهم يختلفون اختلافًا حقيقيًا في مستويات الوعي والإدراك والإرادة والمرتبة الوجودية. ويُنتج هذا التفاوتُ تمايزًا جوهريًا بينهم، لا على المستوى الفردي فحسب، بل على المستوى الجمعي أيضًا. فالبشر، تبعًا لكيفية تحقّق فطرتهم في الواقع العملي، يكتسبون هويات متغايرة، ويُشكّلون جماعات بشرية ذات انتماءات محدّدة مثل القبيلة، والقوم، والعرق، والأمة.
وتُشير النصوص القرآنية بصراحة إلى هذا التنوّع والتعدّد في الهويّات، مقرّرةً أنه جزء من النظام الإلهي للعالم الاجتماعي. فالتعدديّةُ هنا ليست مجرّدَ وصفٍ لواقع اجتماعي، بل هي مكوّن أساسي من مكوّنات الوجود البشرّي، ومرتبطةٌ بمشيئة الله وسُننه في الخلق. وعلى هذا الأساس، تتشكل في الوجود الإنساني «عوالمُ اجتماعيةٌ» متعدّدة، لكلٍّ منها خصوصيّته الثقافية والقِيَمية والدينية، وتتجسد بأشكال مختلفةٍ من النظام الاجتماعي مثل الأمم، والملل، والشعوب، والمجتمعات الحضارية.
وفي علم العلاقات الدولية من منظورٍ إسلامي، تُعدّ الأمة—لا الدولة القومية—الوحدةَ الوجوديةَ الأعلى التي تُعبّر عن الحقيقة الفطرية المشتركة للإنسان المؤمن. فهي ليست مجرد إطار سياسي أو حدود جغرافية، بل كيانٌ حضاري وقيمي ممتدّ. والأمم المختلفة في هذا التصور لا تُلغِي بعضها، بل تشكّل إلى جانب الأمة الإسلامية «عوالمَ متعددة» تتفاعل فيما بينها وفقًا لسنن التلاقي والتدافع والتعارف.
هذا التنوع الوجودي بين الأمم لا يعني القطيعة أو الصدام الحتمي؛ بل يشير إلى اختلافٍ وظيفيٍّ في مراتب الوعي والغاية، على أساس أنّ بعض الأمم قد تتحقق فيها الفطرة على نحوٍ أكمل، فيما تنغمس أخرى في «الغرائزية» أو في أنماط وجودية غير مكتملة. وبالتالي، يُنتج التفاعل الدولي بين الأمم أشكالًا مختلفة من العلاقات، تتراوح بين التعاون والتكامل، وبين التنافس والصراع، بحسب مستوى الوعي الفطري أو الانحراف الغريزي الذي يحكم الحركات التاريخية لهذه الجماعات.
ويمتدّ هذا المفهوم ليؤسس رؤيةً أكثر اتساعًا للنظام الدولي، إذ يُصبح العالم—وفق التصور الإسلامي—فضاءً اجتماعيًا متعدّد الهويات، لا يقوم على مركزية الغرب أو الدولة القومية الحديثة، بل على مركزية الفطرة بوصفها معيارًا كونيًا حاكمًا. ومن ثم، فإنّ الأمة الإسلامية ليست مجرّد فاعل بين فاعلين، بل تمثل—بحكم طبيعتها الفطرية—نموذجًا معياريًا يسعى نحو تحقيق العدل والخير المشترك، ويُقاسُ به مدى انحراف الأمم الأخرى أو توافقها مع المقاصد الإلهية العليا.
ويعني هذا أيضًا أنّ العلاقات بين الأمم ليست علاقات قوةٍ محضة كما تذهب الواقعية الغربية، ولا علاقات قانونية-مؤسسية كما تفترض الليبرالية، بل علاقات تقوم على التفاعل بين مستويات الوجود الإنسانية، من عقلٍ وفطرة وقيم ومصالح، ضمن حركة اجتماعية كونية تتجه في النهاية نحو اكتمال الوجود الإنساني عبر «التوحيد» و«العمران» و«العدل».
وبذلك، تُصبح “الأمة” في الرؤية الإسلامية إطارًا تأسيسيًا لفهم النظام الدولي، ومبدأً كليًا يتجاوز الحدود والكيانات السياسية، ويُعيد بناء العلاقات الدولية داخل تصور حضاري لا يتجاهل الواقع، لكنه يرفض اختزاله في المادة أو القوة وحدهما.
